تويتر

الجمعة، 6 يناير 2012

إيران الشمشونية' قَيْد الصُّنْع!


شؤون إيرانية:

بقلم: جواد البشيتي
تحتاج الولايات المتحدة، ومعها قوى أخرى، في مقدَّمها الاتحاد الأوروبي، إلى مزيدٍ من العداء (الجاد) لإيران، وإلى إظهاره وممارسته الآن على وجه الخصوص؛ أمَّا "الهدف الإستراتيجي" لهذا العداء فهو "مَنْع طهران من حيازة السلاح النووي"؛ فـ "القنبلة النووية"، ولجهة مخاطرها، من وجهة نظر غربية، على نوعين اثنين لا ثالث لهما: "القنبلة النووية الإيرانية (الافتراضية حتى الآن)"، و"سائر القنابل النووية (الفعلية) في العالم".
أمَّا ما يجعل "القنبلة النووية الإيرانية" بهذه "الأهمية الإبليسية"، من وجهة النظر الغربية، فهو "طبيعة وخواص نظام الحكم الإيراني"؛ فـ "السلاح" إنَّما يستمدُّ أهميته من "الطبيعة السياسية (والفكرية) لليد التي تحمله وتستعمله".
 
الولايات المتحدة لا تريد الآن حرباً تخوضها وتقودها (أو تسمح لغيرها بخوضها) ضدَّ إيران، للحيلولة بينها وبين صُنْع قنبلتها النووية، "الأخطر على العالم"؛ لأنَّ لديها، ولدى الغرب على وجه العموم، من الوسائل الأخرى ما يفي بهذا الغرض، على ما تحسب وتعتقد.
 
وأهمُّ هذه الوسائل "إصابة إيران بالعجز عن تمويل برنامجها النووي الذي يستهدف صُنْع سلاحٍ نووي"؛ وهذا "العجز" يتأتَّى من طريق جَعْل الدولة الإيرانية في افتقارٍ متعاظِم إلى "الورقة الخضراء (الدولار)"، وإلى سائر العملات الصَّعبة؛ فـ "البرنامج النووي الإيراني" لا يُموَّل بـ "الريال (الإيراني)".
ومن طريق بيعها نفطها وغازها تَحْصَل إيران على هذا "المال العالمي (وفي مقدَّمه الدولار)"؛ ومعظم دَخْل "الدولة" في إيران هو من هذا المال؛ وهذا بحدِّ ذاته يكفي دليلاً على أهمية الصِّلة بين "الدولة (أيْ نظام الحكم)" في إيران وبين هذا المال.
 
وكان السؤال الذي استبدَّ بتفكير صُنَّاع القرار الإستراتيجي في الولايات المتحدة (وفي بعض دول الاتحاد الأوروبي) هو "كيف نُنْضِب مصادِر تمويل البرنامج النووي الإيراني من غير استعمالٍ للقوى العسكرية؟"
واستعمال القوى العسكرية (وهو الخيار الذي لا تُحبِّذ الولايات المتحدة الأخذ به الآن) إنَّما يعني مَنْع إيران من تصدير نفطها بقوى حصارٍ (بحري) تفرضه الولايات المتحدة (في المقام الأوَّل) في مضيق هرمز على وجه الخصوص.
ولقد أُجيب، أخيراً، عن هذا السؤال بما يجعل "الحرب" خيار إيران لا خيارها هي؛ فالولايات المتحدة، وعلى ما قرَّرت، ستُعاقِب كل مؤسسة مالية تتعامل مع المصرف المركزي الإيراني؛ وهذا العقاب يأتي من طريق منع هذه المؤسسة من التعامل مع النظام المصرفي في الولايات المتحدة؛ والنتيجة النهائية التي تريدها واشنطن، وتتوقَّعها، هي مَنْع "الورقة الخضراء"، أيْ ثَمَن بيع إيران لنفطها، من الوصول إلى طهران، التي في هذه الحال لن يعود في مقدورها أنْ تبيع نفطها بيعاً؛ لأنَّ "الشاري" لن يجرؤ على دَفْع الثَّمَن؛ وكأنَّ "التصدُّق" بنفطها على الدول التي كانت تشتريه من قَبْل هو "الخيار" الذي بقي متاحاً لإيران!
وبعد ذلك، أو بالتزامُن معه، يُقرِّر الاتحاد الأوروبي أنْ يَحْظُر على نفسه (أيْ على دوله) شراء النفط من إيران (وهذا حقٌّ له لا جدال فيه!).
 
وهذا إنَّما يعني أنَّ الاتحاد الأوروبي لن يشتري نفط إيران، إذا ما أصرَّت طهران على بيعه للأوروبيين بَيْعاً؛ أمَّا الشُّراة الآخرين، وفي مقدَّمهم الصين والهند، فإنَّ عليهم أنْ يخشوا العقوبات المالية التي قرِّرتها إدارة الرئيس أوباما، فإذا لم يَخْشَوْها فإنَّ عليهم أنْ يسعوا لشراء النفط الإيراني بثَمَنٍ رخيص؛ ولقد سعت الصين (شريك إيران التجاري الأكبر، والذي يرفض فرض مزيدٍ من العقوبات الدولية عليها) لذلك، ونجحت في سعيها، فتقلَّص دَخْل إيران من "الورقة الخضراء".
 
إيران الآن، أو إيران هذه، على أبواب انتخابات برلمانية (الثاني من آذار المقبل). ويُراد (غربياً) لهذا الإفقار المالي للدولة الإيرانية أنْ يؤسِّس لبيئة اقتصادية واجتماعية وسياسية جديدة لهذه الانتخابات، فتُخاض وتُجْرى بما يجعلها تفضي إلى ما يشبه إيرانياً "الربيع العربي"، أو بعض نُسَخِه (النسخة السورية مثلاً). وهذا "التوقُّع" الغربي ليس بالتوقُّع غير الواقعي؛ فإنَّ كثيراً من "جَمْر" انتخابات الرئاسة التي أجْرِيَت سنة 2009 لم ينطفئ بعد، ويمكن أنْ يُضاف إليه "جَمْرٌ" أكثر في الأشهر المقبلة.
 
وهذا "الجَمْر الإضافي" نراه الآن على هيئة هبوط مستمر ومتزايد في سعر صرف الريال الإيراني؛ فالإيرانيون يُقْبِلون على شراء الدولار ( الذي تتضاءل كمية المعروض منه للبيع) رافعين، من ثمَّ، سعر شرائه بعملتهم؛ وقدراتهم الشرائية (بالريال) تتضاءل، في استمرار، فالغلاء المتزايد شمل حتى أسعار السلع التي تدعمها الدولة.
"ما العمل؟"؛ هذا هو السؤال الذي يستبدُّ الآن بتفكير صُنَّاع القرار في طهران؛ فالقوى المالية والاقتصادية (مع مشتقَّاتها من القوى السياسية والأمنية والفكرية) لنظام الحكم الإيراني هي الآن عُرْضَة للدمار، أو لكثيرٍ منه؛ وهذا بحدِّ ذاته يشدِّد ويُقوِّي أكثر "المَيْل الشمشوني" لدى نظام الحكم الإيراني، الذي سعى ويسعى (لعلَّ سعيه يؤتي أُوكله) إلى إظهار قواه العسكرية (البحرية والجوية والصاروخية) الجديدة، وإلى "إقناع" أعدائه في الغرب بأهمية وضرورة أنْ يَكُفُّوا عن عدائهم له؛ فهو في مستطاعه أنْ يؤذيهم كثيراً.
 
ويستطيع نظام الحكم الإيراني، إذا ما اشتدت معاناته المالية والاقتصادية، وإذا ما جعلته هذه المعاناة مُسْتَسْهِلاً مُسْتَرْخِصاً لخيار الحرب، أنْ يجعل الملاحة البحرية في مضيق هرمز غير آمنة، بإطلاقه إطلاقاً عشوائياً، من أراضٍ إيرانية، صواريخ وقذائف، لتسقط في المياه؛ فتَمْتَنِع ناقلات النفط (والسفن التجارية) عن المرور عبر هذا المضيق الإستراتيجي، وترتفع أسعار التأمين على الشحن البحري، فتَنْدَلِع نيران الغلاء النفطي العالمي في الاقتصاد العالمي؛ لعلَّ الساعين إلى إفقار الدولة الإيرانية مالياً، لجعلها عاجزة عن تمويل صُنْع "القنبلة النووية"، يقتنعون بضرورة أنْ يَكُفُّوا عن سعيهم هذا، قبل، ومن أجل، أنْ تعيد طهران الأمن إلى الملاحة البحرية في الخليج؛ فإمَّا أنْ "يقتنعوا" وإمَّا أنْ يبدءوا هُم الحرب التي من الصعوبة بمكان معرفة ما يمكن أنْ تتمخَّض عنه من نتائج؛ فإنَّ الموقع الجغرافي ـ الإستراتيجي لإيران هو ترسانتها النووية الحقيقية.


المصدر: ميدل ايست اونلاين

ليست هناك تعليقات: