تويتر

الثلاثاء، 25 نوفمبر، 2014

نتائج المفاوضات النووية ومعادلة "خسارة-خسارة"




شؤون إيرانية
بقلم: د. محمد السلمي

المصدر: خاص بالمدونة



خلال الأيام القليلة الماضية، كانت الأنظار تتجه إلى العاصمة النمساوية فيينا حيث الاجتماعات المكثفة لإيران ومجموعة 5+1 بشأن مستقبل المفاوضات حول برنامج إيران النووي وقد غلبت توقعات التوصل إلى اتفاق بحلول 24 نوفمبر 2014 على المشهد الإعلامي العربي والدولي خاصة بعد توافد وزراء خارجية الدول المشاركة في المفاوضات إضافة إلى الأمين العام للأمم المتحدة السيد بان كي مون إلى فيينا  واستمرار المفاوضات لساعات طويلة تخللها اجتماعات ثنائية تحدث لأول مرة (في العلن) بين وزيري الخارجية الأمريكي والإيراني دون مشاركة أي طرف ثالث.

ولقياس النتائج التي توصل إليها المؤتمرون في فيينا، علينا أن نسترجع سويا مطالب الطرفين الإيراني والغربي بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي حول الملف النووي الإيراني. كانت مجموعة 5+1 تطالب إيران بخفض عدد أجهزة الطرد المركزي بشكل كبير وكذلك إيقاف العمل في محطة "آراك" للمياه الثقيلة والإبقاء على مستوى تخصيب منخفض لليورانيوم وتقليص كميات اليورانيوم المخصب بنسبة 20%. كذلك، لا يزال هناك بعض الأسئلة الجوهرية التي لم تقدم بشأنها طهران إجابات شفافة ومنطقية للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

على الجانب الآخر، كانت المطالب الرئيسية لإيران تتمثل في رفع العقوبات المفروضة على البلاد دفعة واحدة أو تقديم آلية واضحة وملزمة لرفعها بشكل تدريجي. فإيران تعارض تعليق العقوبات خاصة المفروضة من قبل مجلس الأمن الدولي أولا، والولايات المتحدة الأمريكية ثانيا. لماذا تصر إيران على هذا الطلب؟ إصرار إيران على رفع العقوبات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن سوف يؤدي إلى رفع، ربما تلقائي، الشرعية عن العقوبات الأخرى الصادرة من بعض الدول خاصة الاتحاد الأوروبي وكذلك تركيا والصين والهند وغيرها، وبرفع العقوبات، وليس تعليقها، سيكون موقف إيران أكثر قوة في وجه العقوبات الصادرة من واشنطن تحديدا.

نعود الآن إلى نتائج اجتماع فيينا الذي توصل إلى قرار يقضي بتمديد المفاوضات لمدة سبعة أشهر قادمة. خلال هذه الفترة سوف تحصل طهران على 700 مليون دولار شهريا (قرابة 4.2 مليار دولار في المجموع) من أموالها المجمدة في الغرب. فهل هذا المبلغ يعد نجاحا لإيران؟ قد يراه البعض كذلك خاصة وأن إيران تمر بصعوبات اقتصادية كبيرة وعجز معلن في ميزانية العام الحالي في ظل التراجع في أسعار النفط منذ يونيو الماضي. لكن لا اعتقد أن إيران تنظر إلى ذلك بصفته إنجازا بل أن الإعلام الإيراني لم يعر ذلك أي اهتمام يذكر لأن التوقعات بل والآمال كانت أكبر من ذلك بكثير، وكان الشارع الإيراني يستعد للاحتفال بالتوصل إلى اتفاق نهائي على غرار احتفالات شهر نوفمبر الماضي عندما تم التوصل إلى اتفاق مبدئي. فيما يتعلق بالجانب المالي تحديدا، علينا إدراك أن طهران كانت تتلقى دفعات مالية مشابهة (500 مليون دولار في كل دفعة) من أموالها المجمدة خلال فترة الاتفاق المبدئي، وبالتالي فقد كسبت إيران 200 مليون إضافي فقط في كل دفعة مقارنة مع الدفعات السابقة. ومن هنا يمكننا قياس مدى نجاح إيران من عدمه في هذا الصدد!

 يمكننا الآن طرح السؤال المتوقع وهو كيف نقرأ هذا الاتفاق على تمديد المفاوضات؟ لا شك أن الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته كانا يسعيان إلى الوصول إلى "انتصار" واتفاق نهائي بهدف اثبات مدى فاعلية سياسة حكومة أوباما في التعامل مع قضايا الشرق الأوسط عموما والملف الإيراني على وجه الخصوص. كان أوباما –ولايزال-يراهن على المسار الدبلوماسي في حل الملفات العالقة مع إيران وأراد أن يقنع الرأي العام الأمريكي والجمهوريين، على حد سواء، بفشل السياسة السابقة تجاه هذه القضايا. علاوة على ذلك، أدى الفوز الأخير للجمهوريين بالأغلبية في مجلس الشيوخ الأمريكي إلى مضاعفة الضغوط على أوباما وبالتالي راهن على الوصول بالملف الإيراني إلى بر الأمان في أقرب فرصة ممكنة، وبعبارة أخرى، كان أوباما يقاتل من أجل الوصول إلى اتفاق نهائي مع طهران لإعادة التوازن لحكومته التي تواجه الكثير من الانتقادات بشأن سياستها في الحرب على داعش وتعاملها مع الملف السوري واليمني إلى جانب الملف النووي الإيراني، ولعل تقدم وزير الدفاع الأمريكي باستقالته مؤخرا خير شاهد على ذلك، وهو بالمناسبة الوزير الرابع  للدفاع الذي يستقيل من حكومة أوباما خلال الست سنوات من رئاسته.

على الجانب الإيراني، وعلى النمط "الأوبامي" مع بعض الفوارق البسيطة، سعت حكومة حسن روحاني إلى إثبات فاعلية سياستها الخارجية "المنفتحة" ومحاولتها تفادي أخطاء حكومة أحمدي نجاد وسياستها الهجومية. صحيح أن ملفات السياسة الخارجية والأمن القومي والخطوط العريضة للمفاوضات النووية يرسمها المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي ويتحكم في خيوطها بشكل شبه كامل، إلا أن هناك مساحة يستطيع رئيس الجمهورية، أي كانت ميوله الحزبية، التحرك فيها بمرونة معقولة، وبالتالي يأتي اختيار روحاني مسار رسم وجه "مختلف" لإيران بعد انتخابه في هذا الإطار. عدم وصول فريق التفاوض الإيراني إلى اتفاق نهائي يفتح الشهية للتيار الأصولي في إيران لمهاجمة سياسة الحكومة الحالية التي كسرت وبشكل متكرر الصورة "الذهنية" للجمهورية الإسلامية التي ترفع شعار العداء "للشيطان الأكبر" الأمريكي طيلة أكثر من ثلاثة عقود وعليه أصبح هذا الشعار الذي كان يوما أحد مرتكزات النظام الإيراني وثوابته مهزوزا إن لم ينهار تماما.

ختاما، بالعودة إلى نتائج المفاوضات يمكننا القول إن شعار روحاني طيلة فترة المفاوضات والمتمثل في معادلة "فوز-فوز" لم يتحقق، كما لم يكن هناك طرفا قد حقق مكاسب على حساب الطرف الآخر، ولعل السبب في ذلك كله يعود إلى حقيقة أن مجموعة 5+1 لا تتبنى بشكل كامل وتوافقي السياسية الأمريكية فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني فهناك وجهات نظر فرنسية وروسية وصينية تختلف، بشكل أو بآخر، وبمستويات متباينة، مع السياسة الأمريكية في هذا الصدد وعليه يمكننا اعتبار هذه الجولة من المفاوضات بمثابة "خسارة-خسارة" لروحاني وأوباما على حد سواء.

الأربعاء، 12 نوفمبر، 2014

إيران: نهاية الثورة (تقرير مهم)





شؤون إيرانية




(1) مقدمة

خلال أقل من شهر، ستنطلق المحادثات مجددًا بشأن تحجيم برنامج إيران النووي. لا تزال إيران تصر، بعد 12 سنة من محاولات إقناعنا المستمرة، بأنها لا تسعى لقنبلة نووية، ولكن فقط لطاقة نووية للاستخدام السلمي. ولكن أحدًا لا يصدقها. إذا انهارت المحادثات، سيُنذر ذلك بسباق تسلّح نووي في الشرق الأوسط، أو ربما لهجمة عسكرية أمريكية أو إسرائيلية على البنية التحتية الإيرانية لوقف مساعيها. في كلتا الحالتين ستكون العواقب وخيمة.

لا تزال هناك الكثير من الأمور العالقة بين إيران ومجموعة الخمسة زائد واحد (أعضاء مجلس الأمن الدائمون + ألمانيا). تنصب الجهود بالأساس على آليات الاتفاق، فالطرفان لا يمكنهما الآن الاتفاق على عدد أجهزة الطرد المركزي التي يمكن لإيران أن تستخدمها لتخصيب اليورانيوم، أو طول المدة التي يسري فيها الاتفاق، أو سرعة رفع العقوبات الاقتصادية.

يمكن سد هذه الفجوة إذا وثقت إيران والولايات المتحدة في بعضهما البعض. أحد أسباب توتر هذه العلاقة بشدة هو أن صورة إيران لدى الرأي العام الغربي قديمة جدًا لدرجة مُضحِكة. سيساعد فهم أفضل لإيران كبلد كثيرًا في دفع المحادثات قدمًا نحو تسوية شاملة أو على الأقل تجنّب السيناريو الوخيم.

إيران اليوم

الكثير مما تقوم به إيران خاطئ تمامًا. فهي تموّل الإرهابيين والميليشيات في لبنان وفلسطين، وتساند نظام بشار الأسد الدموي، كما أن مسؤوليها ينكرون حق إسرائيل في الوجود بشكل مستمر. أضِف إلى ذلك معاملة النظام الوحشية والظالمة في الداخل للمعارضين. يوم السبت الماضي، وقبل استنكار أحد مبعوثي الأمم المتحدة لتزايد أحكام الإعدام في إيران ومعاملتها للنساء، تم إعدام امرأة لقتلها رجلٍ اتهمته بالاعتداء الجنسي عليها، فيما قال آخر بأن وكالة الطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة اشتكت من أن إيران ليست بالشفافية المطلوبة بخصوص بحوثها النووية — وهو جزء مما تقوم به من تملّص وخداع.

مهما بلغ كل ذلك من سوء، يظل استهجان الغرب لإيران بشكل خاص واستثنائي يضعها في صورة قاتمة جدًا، باعتبارها عدوًا لن يتبدّل. فقط كانت جزءًا من محور الشر الذي صنّفه جورج بوش الابن، وهي ديكتاتورية تحاول تصدير ثورتها باستمرار، وتقتات على نمط مخيف من الإسلام قد تكون لاعقلانيته كافية للتسبب في كارثة نووية، بل إن البعض قد لام الرئيس الأمريكي باراك أوباما لقيامه بالتفاوض من الأصل مع هذا الكيان الظلامي.

مرت 35 سنة منذ زيارة آخر مسؤول أمريكي لإيران، وقد تغيّرت إيران كثيرًا، إذ انطفأت تمامًا نار الثورة فيها، كما تبيّن التغطية الخاصة لإيران في عدد هذا الأسبوع من مجلة الإيكونوميست. فبنزوح الكثيرين من القرى إلى المدن، أصبحوا أكثر غنى، وزادت رغبتهم في الحصول على السلع الاستهلاكية والتكنولوجيا الغربية. يلتحق أكثر من نصف الإيرانيين بالجامعات، بعد أن كان يلتحق الثُلث فقط منذ خمس سنوات. هذا بينما فقدت السياسة الردايكالية بريقها وارتفع رصيد الوسطيين البراجماتيين بعد رئاسة أحمدي نجاد الكارثية، وفشل الانتفاضة الخضراء — التي سعت لإسقاطه في 2009 — وأثار الربيع العربي الفوضوية. كذلك تراجع المجتمع الديني التقليدي الذي طالما حلم به الملالي. بمرور الوقت، أصبحت أعداد المصلين بالمساجد تتضائل، ولم يعد يُسمَع الأذان باستمرار، خاصة وأن الكثيرين يشكون الضوضاء. في قم، العاصمة الدينية، يضاهي مركز تسوق عملاق الحوزات العلمية هناك. وبينما تتأسس خلافة على أرض العراق وسوريا، يبدو على الناحية الأخرى أن هناك دولة إسلامية يتراجع الدين فيها.

إيران ليست ديكتاتورية صِرفة. المرشد الأعلى، آية الله على خامنئي، هو صاحب القول الفصل، ولكنه دوره هو الفصل بين أجنحة النُخبة المختلفة، وهي مكونة من آلاف من السياسيين ورجال الدين والجنرالات والأكاديميين ورجال الأعمال ممن يشكلون فرقًا متصارعة ومُربِكة ومتغيرة باستمرار. ورُغم أن هذا لا يجسد ديمقراطية بأي شكل، إلا أنه بمثابة “سوق” سياسي، وكما لاحظ الرئيس السابق أحمدي نجاد، السياسات التي تنشأ دون إجماع أو اتفاق تلك الفرق، لا تعيش طويلًا. لذلك، اختارت إيران العام الماضي حسن روحاني رئيسًا، وهو الذي يعتزم الانفتاح على العالم، وكبح جماح الحرس الثوري المتشدد. ينتمي روحاني إلى النظام الإيراني، وهذا طبيعي، غير أن حكومته تضم حاصلين على درجات الدكتوراه الأمريكية أكثر من حكومة أوباما نفسه، وهو ما يقول لنا الكثير عن الواقع الإيراني اليوم.

الطريق إلى التسوية

ماذا يعني كل ذلك لاتفاق نووي؟ في البداية، يعني أن إيران تتعامل براجماتيًا لتصل إلى ما يصُب في مصلحتها، وليس بشكل درامي لإسقاط النظام العالمي، أي أنه يمكن أن يؤدي التفاوض معها إلى نتاج مثمر. ويعني أيضًا أن القوة في إيران تتحرك بين أجنحة مختلفة، تمامًا كالولايات المتحدة، وبالتالي يجب حماية أي اتفاق معها في المستقبل من عواقب وصول رئيس متشدد مرة أخرى للرئاسة. وأخيرًا، وهو الأهم، أن الوقت في صالح الغرب.

فكلما طال الوقت، كلما تزايد تراجع أرصدة ثورة 1979، وكلما أصبحت إيران أكثر انفتاحًا. ستتراجع المفاهيم الصلبة أكثر تحت وطأة مخاوف الحياة اليومية، مثل زيادة الدخل والتجارة. لن تتنازل إيران بين ليلة وضحاها عن برنامجها النووي، وهو ما قد يراه الإيرانيون بمثابة إهانة، وهي كذلك لن تصبح فجأة على علاقة جيدة بالولايات المتحدة، ولن تتوقف عن التدخل في جوارها. ولكن إذا ما شعر النظام في إيران بأنه يمكنه تفادي مصير القذافي، الذي تنازل عن برنامجه النووي وسقط نظامه في النهاية، لن يكون كبح البرنامج النووي في نظره سوى مقامرة.

سيساعد الوقت أيضًا لأن الوصول لاتفاق يصب في مصلحة إيران أكثر مع الوقت، فروحاني يحتاج إلى مخرج من العقوبات. فبعد معدل نمو سنوي بلغ ٥٪ على مدار العقد الماضي، انكمش الاقتصاد بـ٥.٨٪ في 2012. يساهم النفط في دفع فواتير الحكومة، ولكن تراجع أسعار النفط مؤخرًا بـ٢٥٪ يضغط على الاقتصاد أكثر. تقع إيران أيضًا في منطقة مضطربة، إذ تهدد داعش حلفاءها الشيعة في العراق، بينما يقع نظام الأسد وحزب الله تحت نيران الحرب الجارية في سوريا. هذا بينما ترسل إيران الإشارات بين الحين والآخر للولايات المتحدة بأنها يجب أن تهتم بالمفاوضات لتضمن الدعم الإيراني في الشرق الأوسط. في الواقع، إيران الشيعية هي المستفيد الأكبر مما يجري: فالولايات المتحدة قد تواجه ردود فعل عكسية من حلفائها السنة في السعودية، ومن السنة الذين تحاول كسب ثقتهم في سوريا والعراق.

رُغم أن هذا الشهر هو الموعد الأخير للاتفاق، إلا أنه على مجموعة الخمسة زائد واحد أن تتحلى بالصبر. فالاتفاق الانتقالي الذي مهّد للمزيد من المحادثات، هو السبب في عدم وضع أي أجهزة طرد مركزي جديدة، وهو ما يخلق حالة التوقف في البرنامج النووي. على العالم ألا يغلق باب المفاوضات في وجه مطالب إيرانية مستحيلة، وكذلك ألا يستسلم لإيران خوفًا من ألا تكون هناك فرصة أفضل للوصول لاتفاق في المستقبل. بدلًا من ذلك، على مجموعة الخمسة زائد واحد أن تصبر حتى تنال الاتفاق المطلوب. سيكون جيدًا إن توصلوا لذلك بالفعل هذا الشهر، ولكنها لن تكون كارثة إن لم يتم.

 
 (2) البطيخ للجميع

الاقتصاد الإيراني هو ثالث أكبر اقتصادات الشرق الأوسط، لدى إيران قاعدة صناعية كبيرة، قوة عاملة متعلمة، وقطاع خدمات استحوذ على أكثر من نصف الاقتصاد في 2012، وهذا العام، انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.8٪ وفقًا للبنك المركزي، وفي العام الماضي انخفض بنسبة 2٪ أكثر من ذلك، والأرقام غير الرسمية أسوأ بكثير
 
لم تلعب الاعتبارات الاقتصادية أدوارًا كبيرة في السياسة الإيرانية، فقد قال روح الله خميني، الذي قاد الثورة عام 1979 "نحن لم ننتفض للحصول على بطيخ أرخص!"،  وعلى مدى العقود الماضية طارد المحافظون الإيرانيون الرؤى المثالية مهما كلف ذلك الإيرانيين، في حين كان الليبراليون جائعين لإجراء إصلاحات سياسية.

هذا الأمر تغير في السنوات الأخيرة، فقد تركز الجدل في انتخابات العام الماضي حول الاقتصاد، وفاز "حسن روحاني" لأن الإيرانيين نظروا إليه باعتباره أقدر المرشحين على تحقيق ذلك، اعتاد المحافظون أن يكونوا مناهضين للتجارة الخارجية، تماشيًا مع المشاعر الثورية وأفكار الاكتفاء الذاتي الاشتراكية، أما الآن، فإن الجميع بما فيهم المرشد الأعلى للثورة الإيرانية يوافق على الرأسمالية المعولمة، في إجابة على سؤال "لماذا؟" أجاب أحد المسئولين الكبار "ابني في الصف الثاني، وقد رشح نفسه في الفترة الأخيرة لانتخابات الفصل الدراسي، كان يعلق آمالا كبيرة، وهو ذو شعبية واضحة، لكنه خسر، لم أستطع أن أصدق ذلك، لكنني سألته عما كانت حملته فأجاب: العدالة والكرامة، فسألته: وخصمك؟ فأجاب: وعدهم بوجبات غذائية أفضل واستراحات أطول".

الإيرانيون يعيشون اليوم بشكل أكثر راحة كثيرًا مما كانوا عليه قبل جيل واحد، لكن السنوات الثلاث الأخيرة كانت صعبة، تعاني الشركات ويعاني المستهلكون من آثار تشديد العقوبات المفروضة كثيرًا منذ عام 2011، يقول أحد المصرفيين في طهران "يمكنك أن ترى عددًا أقل من الأشخاص يحملون أكياس التسوق"، ويتابع "السباك الخاص بي الذي عادة ما يكون مشغولاً دومًا، يقول إنه في كثير من الأحيان يحصل على أول زبائنه في منتصف الأسبوع، أما التجار في قزوين فقد أبلغوا عن انخفاض الإيرادات بنسب تراوحت بين 50٪ و75٪"، وحسب تقدير بائع طماطم فإن هذه هي أسوأ الأوقات منذ 25 سنة، يقول متسوق "لقد دُمر السوق! .. أشعر بالخجل من عدم قدرتي على تحمل تكلفة نفس الطعام كما كنت أفعل في السابق، لا استطيع الآن دعوة أي شخص إلى بيتي".

الاقتصاد الإيراني هو ثالث أكبر اقتصادات الشرق الأوسط، لدى إيران قاعدة صناعية كبيرة، قوة عاملة متعلمة، وقطاع خدمات استحوذ على أكثر من نصف الاقتصاد في 2012، أما في العام الجاري، فقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.8٪ وفقًا للبنك المركزي، وفي العام الماضي انخفض بنسبة 2٪ أكثر من ذلك، والأرقام غير الرسمية أسوأ من ذلك.

خلال العقد الماضي، كان الاقتصاد ينمو بمعدل متوسط 5.1٪ سنويًا، وعندما انقلب الأمر انطلق التضخم ليصل إلى أكثر من 50٪ دفعة واحدة، وعندها فشلت الرواتب في مواكبة الانهيار، انخفضت الأجور في القطاع الخاص بنسبة 35٪ - 40٪، وخسر موظفي الحكومة حتى 50٪ من رواتيهم، وعانى أكثر من نصف السكان من خسارة درامية في دخلهم، وفي أسبوع واحد في أكتوبر 2012 هبطت العملة بنسبة 40٪ مقابل الدولار في السوق السوداء وخلقت حالة من الذعر، وفي أدنى مستوياته انخفض الريال بنسبة 75٪ وقفز معدل البطالة، انخفض إنتاج السيارات التي كانت تمثل 10٪ من الناتج القومي الإجمالي ويوظف أكثر من مليون شخص بنسبة 70٪ وفقًا لمصادر صناعية، مصنع مرسيدس في تبريز كان ينتج 80 محركًا يوميًا قبل عدة سنوات، الآن ينتج اثنين فقط.

كل ذلك تسبب في موجة من السخط الشعبي، الثوريون السابقون، قادة البلاد الحاليون يدركون المخاطر لكنهم يكافحون لأن البلاد بالفعل لا تمتلك المال، في الماضي كان الوضع مختلفًا بفضل تدفق عائدات النفط، وكانت الحكومات دومًا قادرة على خلق فرص عمل وإطعام الفقراء وإنقاذ البنوك التي على وشك الإفلاس ودعم وحتى رشوة منتقدي الحكومة! لكن للمرة الأولى منذ عشر سنوات، خزائن البلاد فارغة والميزانية في عجز، وفقًا لتقديرات الحكومة الأمريكية، فإن الاقتصاد الإيراني اليوم أقل 25٪ من التوقعات ما قبل 2012.

كان السبب المباشر لهذا الهبوط الأكثر دراماتيكية هو إطلاق الحكومات الغربية واحدًا من نظم العقوبات الأكثر صرامة ضد إيران، بهدف إجبار الإيرانيين على إيقاف برنامجهم النووي الإيراني، بين عشية وضحاها، توقف عملاء إيران النفطيين في أوروبا عن الشراء، حظرت الحكومة الأمريكية التعامل بالدولار مع البنك المركزي الإيراني أو أي شخص يتعامل معه، جُمدت أصول الحكومة الإيرانية في الخارج بالإضافة إلى استهداف مئات الشركات المرتبطة بالدولة بشكل مباشر، انخفضت صادرات النفط من 2.5 مليون برميل في 2011 إلى أقل من النصف، أصبح مستحيلاً الحصول على المكونات الصناعية المستوردة؛ ما أدى لزيادة البطالة والتضخم.

بعض الدول غير الغربية (مثل تركيا) تجاهلت العقوبات واستمرت في التجارة مع إيران، تحاول الحكومة الإيرانية أن تدفع لهم بالذهب وتغض الطرف عن التهريب والأرباح التي أطلقت طفرة العقارات، من الصعب معرفة كم التجارة الذي لا يزال مستمرًا، لكن العقوبات كان لها بالتأكيد أثر خطير.

النقاش حول جدوى العقوبات خلق بعضًا من الشراكات الغريبة، المتشددون الغربيون والإيرانيون يقولون إن انهيار مستوى المعيشة في إيران يرجع أساسًا إلى العقوبات الغربية، وهذا ما يعتبره الغربيون نصرًا سياسيًا، لكن الإيرانيين يلومون أعداءهم بسبب ذلك المرض، رغم أنهم مسئولون عنه بشكل جزئي.

حفرة سوداء مليئة بالنفط

الاقتصاد الإيراني يعاني من انعدام الفعالية والفساد والتضخم وكان مقدرًا له الانهيار حتى قبل العقوبات، جميع الإيرانيين تقريبًا تلقوا مساعدات مالية مخصصة للفقراء، وخلال العام الماضي أنفقت الحكومة 100 مليار دولار على الدعم، أي ما يوازي ربع الناتج المحلي الإجمالي.

حتى وقت قريب، كانت تكلفة الديزل بما يعادل 2 سنتًا أمريكيًا للتر، تركيا التي يبلغ عدد سكانها نفس عدد الإيرانيين، ورغم أنها دولة صناعية أكثر من إيران، تستهلك حوالي وقود بنسبة 60٪ أقل من إيران، مكاتب الحكومة الإيرانية مكتظة بشكل كبير، ويعمل في وزارة النفط 260 ألف موظف اليوم بعد أن كانوا 100 ألف في 2005، مجموعة الشفافية الدولية ومقرها برلين، تصنف إيران على أنها "فاسدة جدًا".

المسئولون الإيرانيون يستخدمون الأموال العامة لشراء عقارات في بلدان أجنبية، ووفقًا لأحد المراقبين فإن "السياسة هي مجرد إلهاء عن جمع المال"، أعطى أحد المحققين البرلمانيين تحذيرًا بأنه إذا تم الكشف عن حجم الفساد السياسي فإنه سيتسبب في "صدمة اجتماعية"، واردات السيارات الفاخرة زادت خمسة أضعاف بين 2011 و2013، في حين أن مبيعات السيارات إيرانية الصنع المتواضعة انخفض إلى النصف.

أضر سوء توزيع الثروة بالقطاع الخاص بشكل أساسي، القطاع يشكل ربع إيرادات الشركات في الدولة، والعديد من الشركات تترنح على حافة الإفلاس، والرقم الرسمي للقروض المتعثرة والذي يقول بأنها 18٪ من كامل القروض، يبدو منخفضا جدًا، يقول السيد لايلاز، وهو خبير اقتصادي إن "عدم وجود رأس المال الاستثماري هو أكبر مشكلة تواجه البلاد"، ومنذ 2006، انخفض الاستثمار في الصناعة بنسبة 10 - 15٪ سنويًا.

القطاع المصرفي مختل! البنوك تقرض الشركات التابعة للدولة بشكل حصري تقريبًا، الشركات الصغيرة والمتوسطة لا تستطيع الحصول على القروض، ندرة التمويل ولدت بعض الحلول العبقرية، فعلى سبيل المثال، يستخدم أصحاب العقارات عقاراتهم كضمان للاقتراض من المستأجرين بدلاً من الإيجار.

إدارة الاقتصاد الإيراني كانت سيئة منذ الثورة، لكن في ظل سلف روحاني، أحمدي نجاد، كانت أسوأ كثيرًا، خلال فترته التي بلغت 8 سنوات في الرئاسة، ارتفعت أسعار النفط لأكثر من ثلاثة أضعاف، وذلك بفضل ارتفاع الأسعار الحاد، ودخلت الأموال خزائن الحكومة بأكثر مما تفعل عادة، وبلغت أكثر من 800 مليار دولار في المجموع، أنفق نجاد كل ذك! فقد استهلك مبالغ طائلة في مشاريع البناء، وتناثرت الجسور والطرق الجانبية غير الضرورية، كما أنشأ مشروعه "إسكان مهر" الذي وفر 200 ألف شقة في جميع أنحاء البلاد بدون إيصال المياه والغاز أو المجاري لها، ومعظمها الآن فارغة لم يقطنها أحد.

نظريًا، كانت بعض سياسات أحمدي نجاد سليمة، حاول تعزيز القطاع الخاص من خلال بيع الأصول المملوكة للدولة، وتم إدراج تسعة من أكبر عشر شركات في بورصة طهران خلال العقد الماضي، مجالس الإدارة والمساهمون لم يعودوا بلا سلطات، والإدارة يجب أن تقدم حسابات صحيحة، كما أن اجتماعات الشركات السنوية من الممكن أن تكون مثيرة للجدل، أحد أصحاب الأسهم صرخ في وجه مدير شركة أسيا للتأمين قائلاً "إن حمارًا كان ليدير هذه الشركة أفضل مما تفعل!"

لكن برامج الخصخصة ما زالت تترك آثارًا أكثر مما هو مرغوب، فمعظم الأسهم تم بيعها إلى كيانات قريبة للدولة بما في ذلك صناديق أصحاب المعاشات الذين تلقوا حصصهم على شكل أسهم في بعض الأحيان بدلاً من النقود، وعلى الرغم من أن عمليات البيع والشراء كانت مفتوحة لأي شخص، إلا أن المستثمرين في إيران يفتقرون لرأس المال، كما أن الأجانب لم يكونوا قادرين على الشراء بسبب العقوبات، يتحدث المحللون الآن عن صعود ما يسمى "قطاع شبه خاص".

تخفيض القيمة جعلت بعض قطاعات الاقتصاد أكثر قدرة على المنافسة، فلسنوات كانت البضائع الإيرانية غالية في العراق بسبب المبالغة في قيمة العملة الإيرانية، وعندما تسببت العقوبات في انخفاض الطلب على العملة، انخفضت أسعار المنتجات الإيرانية بين عشية وضحاها لتصبح أرخص من تلك التي في الدول الصناعية المجاورة مثل تركيا، وفي داخل البلاد، بينما أبقت العقوبات المنافسين الأجانب خارجًا، امتلأت محال السوبر ماركت الإيرانية بالمنتجات المحلية للمرة الأولى منذ عشر سنوات.

سحر الاكتفاء الذاتي

بعيدًا عن الإدارة الاقتصادية السيئة، قامت الحكومة الإيرانية بدون قصد بزيادة فعالية العقوبات بطريقتين أخرتين، أولاً: تم إبقاء الضرائب منخفضة للغاية على مدار عقود؛ وهذا ما أجبر الدولة على الاعتماد فقط على عائدات النفط، الآن، اضطرت الدولة لتقليل الإنفاق وزيادة الضرائب في نفس الوقت، وثانيًا: عندما جاء أحمدي نجاد إلى السلطة قبل عشر سنوات، قام بالتخلي عن سياسة البلاد بالاكتفاء الذاتي، فقبل ذلك، كانت إيران تقريبًا مكتفية ذاتيًا، ولديها رؤى لتعزيز النمو، لكن الرئيس الجديد أمر بصك علاقات تجارية جديدة وبخفض الجمارك، كانت هذه السياسة ناجحة بشكل كبير، لكنها جعلت إيران أكثر هشاشة وأكثر عُرضة لتأثير العقوبات.

ربما توقعت الحكومة ذلك، كما قال السيد جواد ظريف، وزير خارجية البلاد، في مقال كتبه قبل بضعة أشهر "إن عملية العولمة الجارية، سواء تمت الإشادة بها أو احتقارها، جلبت معها وزنًا لا مفر منه في التأثير على السياسات الخارجية للدول، سواء كانت كبيرة أو صغيرة، متقدمة أو نامية … لكن اليوم، معظم الدول القومية بغض النظر عن حجمها أو قوتها أو نفوذها، تدرك أن الانعزالية سواء كانت مفروضة أو طوعية، فهي ليست ميزة على الإطلاق!"، إن قائل تلك الكلمات هو الذي يعطيها الأهمية في هذه الحالة وليست المشاعر التي تحملها، لقد أدركت إيران أنها ضُربت بثلاث ضربات قوية هي النفط والعقوبات والتستر على سنوات من الإنفاق غير المحسوب.

في السنة الأولى من عمله استطاع روحاني تحقيق قدر من الاستقرار في الاقتصاد؛ ارتفعت قيمة العملة وازداد الفائض التجاري، انخفض التضخم من 45٪ إلى 15٪، ويتوقع فريق الرئيس من التكنوقراط أن يبدأ الاقتصاد في النمو مرة أخرى هذا العام، ربما لو قللت الحكومة الدعم بنسبة 1.5٪ ستتحسن ماليتها، على الرغم من أنها رفعت أسعار الوقود بنسبة 75٪ بين عشية وضحاها.

لكن هناك طريق طويل، معظم أسعار الطاقة لا تزال مدعومة من قبل الدولة؛ البنزين لا يزال يكلف 28 سنتًا للتر الواحد، البطالة لا تزال مرتفعة بعناد، وهناك حاجة إلى مزيد من الإصلاحات لتسريع النمو، يقول خبراء إن الإصلاحات يجب أن تشمل الحد من الدعم النقدي للفقراء، وكبح جماح دولة الرفاه السخية، وخفض الدعم عن الصناعات والتخلي عن مئات الآلاف من الموظفين الحكوميين.

الإيرانيون تحملوا مصاعب أكبر في الماضي، تسببت العقوبات الأمريكية في الثمانينيات في نقص الوقود والغذاء، الآن، لا يعاني الإيرانيون من الجوع، ولا يُتوقع أن ينهار الاقتصاد في أي وقت قريب، لكن على المدى الطويل ستصبح الإصلاحات أمرًا لا مفر مه، وإذا تمكن للسيد روحاني أن يعقد صفقة مع الغرب لتخفيف العقوبات، فإن تلك الإصلاحات قد تصبح أكثر تدريجية وأقل إيلامًا.

 
(3) التدين في الجمهورية الإسلامية!

المساجد خالية، ومراكز التسوق مزدحمة، ورجال الدين يتراجعون، تحت أعين الجمهورية الإسلامية، التي تحكم واحدة من أقل الشعوب تدينًا في العالم الإسلامي

 طبقًا للقانون في إيران، يجب على كل المباني الحكومية أن تحتوي على غرف للصلاة، ولكن بجولة في أنحاء البلاد المختلفة، يتكشف للناظر أن الأحذية المتناثرة خارج هذه الغرف في محطات الحافلات، والمباني الإدارية، ومراكز التسوق، قليلة للغاية. يقول أحد العاملين في تلك المباني: “نحن نتجه لتلك الغرف للنوم بعد الغذاء”.

رفع الأذان كذلك أصبح نادرًا جدًا، وقد بدأ المسؤولون في إسكات المؤذنين لكسب ود المواطنين الذين يشتكون من الضوضاء. في السابق، كانت يتم قطع مباريات كرة القدم لبث الأذان مباشرة، أما الآن فتظهر علامة صغيرة في ركن الشاشة.

إيران هي الثيوقراطية الدستورية الأولى والوحيدة في العالم، وهي أيضًا واحدة من البلدان الأقل تديّنًا في الشرق الأوسط، إذ يتضائل الدور الذي يلعبه الدين في المجال العام اليوم عمّا كان عليه الحال منذ عقد. تقول واحدة من بنات رجل دين معروف: “لقد مات الاعتقاد الديني، وحل الاشمئزاز محل الإيمان”.

بينما جاهدت القيادات العلمانية في العالم العربي لقمع الإسلام لعقود، خالقة نقطة التفت حولها الكثير من الاحتجاجات السياسية، حدث في إيران العكس تمامًا. فقد أدى تحوّل الإسلام الشيعي لأيديولوجية إلى تراجع صورة كلٍ من الدولة والمسجد، ولسخرية القدر، أدت سياسات الثورة الإسلامية إلى علمنة اجتماعية أكثر مما أدت سياسات الشاه الاستبدادية منذ انقلاب ١٩٥٣، والتي قمعت رجال الدين. بفرض الدين على الناس، أصبحت التعبّد علقمًا. فقد سأم الناس أن يقول لهم أحد ما الذي يجب أن يفعلوه، وتوقفوا عن الاستماع لصوت الدين.

البعض يجد ملاذًا اليوم في المادية، إذ تزداد المحال ومراكز التسوق بشدة، كما يلاحظ سعيد ليلاز، اقتصادي معروف: “لا يمكنك أن تُغدق على شعبك بتريليون دولار في عقد من الزمن، ثم تنتظر منه أن يظل تقيًا وثوريًا. لقد اعتاد الناس على الراحة والرفاهة”.

تراجع كثيرًا نفوذ رجال الدين اليوم في إيران، وأصبح غير مباشر، والكثير منهم اكتفى بالحوزات العلمية، ولم يعد يشارك في الإدارة اليومية للاقتصاد والعلاقات الدولية، رُغم أن الدولة لا تزال تستشيرهم في الأمور الرئيسية. يقول المفاوضون الغربيون في المباحثات بخصوص البرنامج النووي، أن نظراءهم الإيرانيين كثيرًا ما كانوا يغيرون مواقفهم في المفاوضات بعد رحلات إلى قم، معقل الثورة الإسلامية. يملك رجال الدين ثروات هائلة، وبالتالي لا يزالون يتمتعون بنفوذ اقتصادي.

يظل الإيرانيون روحانيين كشعب، ويرون الإسلام جزءًا من هويتهم، ولكن الشيء الذي نفر منه الجميع قدر استطاعته هو الدين المؤسسي. لا يزال على النساء ارتداء الحجاب في الشارع، ولا زلن ممنوعات من دخول الملاعب. الفصل في الحافلات بين الرجال والنساء كذلك لا يزال ساريًا، إذ تجلس النساء في مؤخرة الحافلة وخلف حاجز. بيد أن نساء الخليج يقُلن أنهن يشعرن بحرية أكبر حين يزرن إيران مقارنة ببلدانهن، حيث تقول إحداهن أن كراهية النساء متجذرة في الدولة ربما أكثر في إيران، ولكنها ليست منظمة كما في الخليج.

تطغى النساء على الجامعات في إيران، وأحيانًا تشكلن ثلثا الطلبة، وهو ما دفع إلى مطالبات بوجود كوتة للرجال. كذلك أظهر استطلاع رأي أجري مؤخرًا أن ٨٠٪ من النساء غير المتزوجات لديهن علاقات خارج إطار الزواج.

لا يدلل على هذا التغيّر في إيران أكثر من النظر إلى قُم نفسها، العاصمة الدينية. فقُم، التي يتدفق لها الآلاف ليسمعون الخطب المعادية للغرب من قبل آيات الله، قد تخدعك بهذه القشرة. فالمدينة التي تضاعف سكانها عشر مرات، ليصل إلى مليون ونصف اليوم، تضاءلت فيها مكاتب الحكومة والحوزات العلمية، تحديدًا في شارع الشهيد الذي يسميه الناس شارع المرح، نظرًا لظهور مركز تسوق ضخم — وتُعرَض فيه سراويل النساء الضيقة دون تدخل.

الوافدون من طلبة علوم الدين وآيات الله أيضًا لهم من الخيرات جانب. فرُغم أنه يُفرَض عليهم ارتداء ملابس رجال الدين، ويقضون ساعات يوميًا في الدراسة، يقول واحد من أصحاب محال النظارات أنهم ينفقون لشراء أكثر أنواع النظارات بذخًا. يقول واحد من طلبة الحوزات العلمية، والحزين على هذه الحال: “الحرام يملأ العالم الشخصي للإيرانيين في قُم. لدينا هنا أعلى معدلات استهلاك للكحول في إيران.”

هذه هي إيران إذن، حيث يختلط النساء بالرجال بحرية في المقاهي، والتي اعتادت في السابق أن تغلق أبوابها مبكرًا، ولكنها تظل اليوم حتى المساء. غطاء الوجه الذي كان شائعًا يومًا ما بين النساء، منعته الدولة بعد أن استخدمه رجال لدخول مدرسة حكومية والاعتداء على الطالبات فيها.

الحالة الإيرانية ليست استثناءً، إذ يبدو أنها تقترب من النمط الأوربي. يقول دبلوماسي أوربي: “البلد هنا إسلامي بنفس المعنى الذي نعنيه حين نقول أن إيطاليا بلد كاثوليكي. الكل هنا بشكل رسمي مؤمن، ولكن في بيوتنا الجميع يغش. يغش في دفع الضرائب، وحتى يغش زوجته”.

(4) الهلال الشيعي والكمّاشة السلفية

لطالما راودت إيران طموحات كبرى فيما يخص دورها الإقليمي، لا سيما قيادة العالم الإسلامي، بما فيه العالم العربي والخليج الذي انطلق منه الإسلام إليها في الأصل، رُغم كونها معزولة ثقافيًا نسبيًا نظرًا لمذهبها ولغتها، وانفصالها السياسي لعقود عن العرب على عكس الأتراك الذين حكموا المنطقة حتى أوائل القرن العشرين.

 شرعت إيران بُعَيد نهاية الحرب مع العراق، في تطوير علاقاتها العربية، لا سيما نظام الأسد، والذي أصبحت راعيه الأول بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، كما طورت علاقاتها قدر الإمكان لفك عزلتها الدولية مع دول أفريقيا وأمريكا اللاتينية، مثل السودان وفنزويلا وغيرهما. كذلك، وطدت إيران علاقاتها بلاعبين آخرين غير الدول القومية، مثل حزب الله، والذي يُعَد الآن لاعبًا أساسيًا في لبنان، وحماس في فلسطين، والميليشيات الشيعية في العراق التي انتشرت إبان سقوط نظام صدام.

بعد حادثة الحادي عشر من سبتمبر، قدمت الولايات المتحدة هديتين على طبق من ذهب للنظام الإيراني: إزاحة النظامين المعاديين لإيران في أفغانستان (2001) والعراق (2003)، وقد عملت إيران بلا تواني منذ ذلك الحين لتعزيز مكتسبات حلفائها في البلدين. يخشى جيران إيران السنة من الهلال الشيعي الذي تطمح له، والممتد من طهران عبر بغداد ودمشق وإلى بيروت، وقد دأب أعداؤها، وهم السعودية وإسرائيل بشكل رئيسي، على جذب أنظار العالم لبرنامجها النووي وضرورة وضع الخيار العسكري ضدها على الطاولة. بيد أن الولايات المتحدة التي خاضت حروبًا مكلّفة في أفغانستان والعراق لم يكن باستطاعتها تبني ذلك الخيار، لا سيما بالنظر للرأي العام الأمريكي الحالي، واهتمام أمريكا المنصب على شرق آسيا.

شاءت الأقدار إذن أن تدخل الولايات المتحدة بسهولة دولًا مجاورة لإيران كالعراق وأفغانستان في مطلع القرن الحالي، لتُفسِح لإيران مجالًا للتمدد، وألا يكون باستطاعتها اليوم دخول دول مثل سوريا بشكل مباشر كما أرادت في وقت ما لأسباب كثيرة. يقول الكثيرون أن ما جرى ببساطة وضع إيران في موقع قوة يحسدها عليه كثيرون. ولكن هل هذا حقيقي فعلًا؟

ربيع المفاجأت العربي

حين بدأ الربيع العربي في 2011، بدا الأمر فرصة للتمدد مجددًا من المنظور الإيراني، حيث كانت الثورات موجهة لبلدان حكمتها نظم علمانية، أو نظم ادّعت أنها علمانية، في مقابل صعود المجموعات المرتبطة بالإخوان المسلمين، والذين اعتبرتهم إيران حلفاء مستقبليين لها، لا سيما وقد أثاروا قلق الدول السنية الكبرى المعادية لإيران مثل السعودية.

غير أن الربيع أثبت مع الوقت أنه لم يكن مماثلًا لما جرى في إيران عام 1979، بل على العكس، كان أكثر شبهًا بالاحتجاجات التي جرت في إيران عام 2009. أضف إلى ذلك أن الربيع لم يكن موجهًا ضد علمانية النظم التي قامت ضده بقدر ما قام ضد المظالم الواقعة على الشباب، وهم شباب لم يكن الكثير منهم مهتم بالرؤى الإسلامية ولا بمعاداة الغرب، وحتى الكثير من الحركات الإسلامية لم تتبنى الرؤية الإيرانية بقدر ما جذبها النموذج التركي.

كان الربيع العربي يخبّئ لإيران الصدمة الأكبر، والتي وقعت باهتزاز أركان نظام بشار الأسد في سوريا. ورُغم أنه لم يسقط حتى الآن، إلا أن إيران تحارب من أجله حربًا مريرة، لا تستنزف قوتها فقط، خصوصًا بعد صعود داعش، بل وتدمر شعبيتها وشعبية حلفاء لها كحزب الله بين العرب السنة، وهي شعبية بُنيَت على مدى سنوات طويلة، كما تثير المعارضة في الداخل، والذي يعارض الإنفاق المستمر للموارد التي يرى الإيرانيون أنهم أولى بها. فقدت إيران أيضًا علاقتها القوية بحماس، والتي ابتعدت عن نظام الأسد وغلبت كفة الانتماء العربي السني على حساب المصلحة الآنية الضيقة.

لم يكن هذا فقط ما خبأه المستقبل لإيران، إذ امتدت مؤخرًا نيران الحرب السورية إلى العراق لتهز الحليف الثاني المتمركز في بغداد حيث يقبع نظام شيعي آخر، مستحوذة على مساحات شاسعة من غرب البلاد. تلك المرة لم يكن الربيع هو السبب، بل أسوأ، واحدة من أكثر التنظيمات الإسلامية السنية تطرفًا وكرهًا للشيعة — داعش.

لم يعد هناك هلال شيعي يتمدد إذن بهدوء، كما كان على مدار العقد المنصرم، متشحًا بالراية الإسلامية الجامعة ومعاداة إسرائيل والولايات المتحدة. فقد أسفر الربيع العربي وما تلاه عن كمّاشة سلفية تحيط بإيران تدريجيًا، خصوصًا وطالبان تنتفض مجددًا في أفغانستان، لم تعد معها إيران تستطيع إخفاء وجهها الحقيقي. هذه الحرب العلنية بين السنة والشيعة في المنطقة تهدد إيران، الشيعية المعزولة، أكثر من أي دولة أخرى.

ها هي إيران إذن تعود للعزلة النسبية مجددًا. فحتى الصين، وهي المشتري الأكبر لنفط إيران، صوتت لصالح العقوبات على إيران، فالعملاق الصيني الاقتصادي البراجماتي أصبح حساسًا مؤخرًا للتمرد المسلح، أيًا كان مصدره. السودان كذلك طردت في أغسطس الماضي دبلوماسيًا إيرانيًا وأغلقت مركزها الثقافي، كما تم حبس عميل إيراني في نيجيريا التي تشهد هي الآخرى انتفاضة سنية تقودها بوكو حرام.

فليرقد الخميني في سلام

انتهت صلاحية حلم قيادة العالم الإسلامي ضد الغرب الذي وضعه الخميني. فمصالح الغرب لم تعد متنافرة مع مصالح إيران كما في السابق، بالنظر لمواقفهما من داعش وطالبان، وهي تتفاوض معه علنًا الآن بشأن برنامجها النووي وتتبنى خطاب محاربة الإرهاب الرائج بين ساسته، عوضًا عن خطاب الموت لأمريكا الذي ظل حتى رحيل الرئيس السابق أحمدي نجاد. “في السابق، كانت إيران تستخدم خطابها الأيديولوجي لترسيخ قوتها. اليوم هي تستخدم قوتها لترسيخ أيديولوجيتها”، هكذا يقول أحد المحللين.

على إيران الآن أن تتعاون مع القوى المختلفة في المنطقة والعالم، والتي تشاركها هدف الحفاظ على المنظومة كما هي، وإن ظل خطابها ثوريًا، وذلك لأن المكتسبات التي بنتها بهذا الخطاب الثوري في الثمانينيات والتسعينيات، أصبحت اليوم للمفارقة جزءًا من الأمر الواقع الذي هب الربيع العربي بوجهه.

بالفعل، اتخذت حكومة الرئيس روحاني خطوات لتطبيع العلاقات مع الدول المجاورة، مدفوعة بالأساس بالقلق من داعش التي قلبت حسابات الجميع. فقد عقدت الجمهورية الإسلامية محادثات، ليس مع الغرب فقط، ولكن مع دول الخليج، بما فيها السعودية، والتنسيق العسكري يمكن أن يكون نتيجة محتملة لهذه العلاقات في مواجهة عدو مشترك. رُغم أن التنسيق غير مرجح مع الخليج حتى اللحظة، إلا أنه جارٍ بالفعل مع الولايات المتحدة لحماية الأهداف المشتركة في العراق، حيث أفسحت الطائرات الأمريكية المجال للميليشيات الشيعية على الأرض لمساعدة بغداد. بالطبع، قدمّت إيران بعض التنازلات أيضًا، أبرزها التخلي عن المالكي، رئيس الوزراء العراقي السابق.

لا تزال السياسة في الشرق الأوسط صراع محتدم على النفوذ بالأساس، ولكن القوى الكبرى، التي مرت بتلك المرحلة في وقت سابق، تعرف أن الحميع سيجلس في مرحلة ما ويتفاوض لأجل سلام طويل الأجل، تعتمد بالطبع قابلية حدوث انفراجة في المنطقة على المحادثات بشأن البرنامج النووي، ولكن التوصل لاتفاق مع الغرب لن يحل وحده أزمات الشرق الأوسط، فالاتفاق قد يزيل الخيار العسكري ضد إيران من على طاولة الغرب، ولكن الشك سيظل متبادلًا لوقت طويل بين إيران والسعودية.

إذا تم التوصل بالفعل لاتفاق، ستتمكن إيران من تعزيز مكانتها الإقليمية، وقد يؤدي هذا إلى تخفيض تعداد القوات الأمريكية في الخليج، والتي ازدادت على مدار العقود الماضية لاحتواء الخطر الإيراني ليس إلا (لم يكن للولايات المتحدة وجود تقريبًا على شواطئ الخليج الفارسي قبل عام 1986، في حين تضع اليوم 35 ألفًا من قواتها في قواعد بالخليج). بتحولّ أنظار واشنطن نحو شرق آسيا، وخفض الميزانية العسكرية الخاصة بها، وثورة غاز شيل الذي سيجعل الولايات المتحدة أقل اعتمادًا على الطاقة الآتية من المنطقة، سيكون من الممكن تخيّل حدوث ذلك إبان التوصل لتسوية في الشرق الأوسط.

ظهرت مؤخرًا بوادر ابتعاد الإدارة الأمريكية بالفعل عن حلفائها التقليديين بالمنطقة، وتحوّلها نحو موازنة القوى المختلفة بدلًا من ترجيح كفة معسكر على آخر، وإن ظل المحللون التقليديون على اعتقادهم بأن هذه ما هي إلا مناورات وتمويهات أمريكية من قبل واشنطن التي لم ولن تغيّر مواقفها. إذا استطاعت إيران أن ترى هذا، وتستغله لصالحها، فهي على موعد مع مكاسب كبيرة.

هذا التقرير نشرته مجلة إيكونوميست حول الوضع الإيراني بعنوان (نهاية الثورة!)

تم ترجمة التقرير بواسطة موقع نون بوست.

الاثنين، 18 أغسطس، 2014

محور الممانعة يحرر القدس



الكاتب: محمد السلمي
المصدر: خاص بمدونة شؤون إيرانية


 
لظروف السفر، لم أتابع الأخبار ليوم ونصف تقريباً، اتصال هاتفي من رقم مجهول، بعد رفع سماعة الهاتف، انطلق الشخص المقابل في السرد سريعاً، باءت كل محاولتي، بمقاطعته للتعرف على هويته ومن أين جاء برقم هاتفي، بالفشل!، استمر دون الإلتفات إلى ما أحاول قوله، كـ "جلمود صخر حطه السيل من علِ"! كلمات غير مفهومة، سوى بعض فواصل  التكبير والتحميد وبعض الكلمات البذيئة التي يبدو أنها موجهة لي شخصياً . طلبت من المتحدث أخذ نفساً عميقاً والحديث ببطء لعلي استوعب ما يريد قوله.

استجاب المتصل لرغبتي وقال سوف أعيد على مسامعك الخبر.. إنتابني في هذه اللحظات مشاعر ممزوجة بالخوف والرجاء معاً.. استطرد مكملاً حديثه، صدرت قبل أيام، وبشكل سريّ، فتوى المرشد الأعلى في الجمهورية الإسلامية في إيران، آية الله السيد علي خامنئي "مدّ الله ظله الشريف"، بإعلان الجهاد وحث قوات الجيش والحرس الثوري فأفرعها وقوات التعبئة (البسيج) بالتوجه إلى سوريا ولبنان في آن واحد وتم نقل بعض المعدات العسكرية  سراً إلى  تلك الدولتين إضافة إلى فتح مستودعات أسلحة كانت قد تم بناءها وتعبئتها بالأسلحة المتنوعة على مدى الثلاثة عقود الماضية استعداداً لساعة الصفر هذه. وقبل أن يكمل، يبدو أنه ارتشف رشفة من الماء، ليعود لسرد الحدث متسائلاً: هل تعلم ما الهدف من ذلك كله؟ وقبل أنا أحاول الإجابة، أكمل والفرحة تكاد أن تخرج من سماعة الهاتف: ولي الفقيه، أطال الله بقاءه، قرر تحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة من دنس الصهاينة الغاصبين بعد أن تقاعس العرب عن استرجاع القدس المحتلة وبقية المدن والقرى الفلسطينية وسوف تكون الإنطلاقة بإتجاه هضبة الجولان السورية ومزارع شبعا اللبنانية. من جانب آخر، أعلن الرئيس البطل بشار الأسد انسحاب الجيش العربي السوري من كافة المدن والقرى التي يواجه فيها المجموعات الإرهابية والمارقة مثل الجيش السوري الحر، وأضاف: أعلم أنك سوف تسألني عن المجاهد المغوار وحفيد رسول الله، السيد حسن نصر الله، موت بغيظك أيها الحاقد على محور المقاومة والممانعة، لقد سار هذا البطل على خطى قائد الأمة الإسلامية وولي الفقيه وأعلن النفير العام واستدعى جميع أعضاء حزب الله الرسميين والمتعاونيين المتواجدين على الأراضي اللبنانية أو أولئك الذين يقاتلون الإرهابيين في سوريا، وتم تأسيس غرفة عمليات مشتركة بقيادة رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية اللواء حسن فيروز ابادي. وتم تعيين  قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني قائداً للقوات القادمة من الأراضي السورية ويساعده  وزير الدفاع السوري العماد فهد جاسم الفريج، ويتقدم هذه القوات الحرس الثوري  الإيراني البطل ومن خلفه الجيش العربي السوري وفيلقي بدر أبو الفضل العباس العراقيين، أما فيما يتعلق بالقوات القادمة من الأراضي اللبنانية فتتكون من الجيش الإيراني وحزب الله اللبناني تحت قيادة كلاً من قائد قوات التعبئة (البسيج) الإيرانية اللواء محمد رضا نقدي  وتعيين السيد حسن نصر الله، زعيم حزب الله، مساعداً ثانٍ للقيادة لما يتمتع به من خبرة طويلة في هذا الميدان. وأضاف: سيكون هناك غطاءاً جوياً يتكون من القوات الجوية الإيرانية التابعة للجيش النظامي وكذلك التابعة للحرس الثوري وتساندها القوات الجوية السورية أيضاً. وعلى الجانب البحري فهناك بعض قطعات البحرية الإيرانية والسورية ويقال بعض البوارج الروسية متمركزة بالقرب من ميناء طرطوس على  البحر الأبيض المتوسط ومؤكل إليها بعض المهام التي لم يكشف عنها بعد.

ثم توقف لبرهة من الزمن قبل أن يكمل: سوف تتوغل هذه القوات سريعاً في الداخل الاسرائيلي ويقال أن هذه الخطوة قد سبقها خطوات تحضيرية تمثلت في زرع خلايا مسلحة في تل أبيب و حيفا ويافا والقدس الشرقية وقد وصلت إليها الأوامر بالتحرك والسيطرة على وزارات ومواقع حيوية اسرائيلية تزامناً مع الهجوم البري.

وقبل أن أسأل عن موقف الولايات المتحدة الأمريكية من ذلك، قال الشخص المتصل وكأنه يقرأ أفكاري: لقد ضاق الأمريكيون بسياسة الحكومة الإسرائيلية ذرعاً خاصة بعد الحرب الأخيرة ضد قطاع غزة، فأعلنوا الوقوف على الحياد وإن كان من المتوقع أن يتراجعوا عن هذا الموقف إلا أنه من المؤكد أنهم لن يتدخلوا عسكرياً إلى جانب أي طرف في هذه الحرب خشية أن تتحول إلى حرب استنزاف على غرار الحرب في فيتنام وربما خوفاً من الجيش الإيراني والقوى المساندة له... يا إلهي ما هذه التطورات، قلت مقاطعاً، أخبرني عن موقف تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، هل ستنضم إلى الجبهة السورية أو اللبنانية؟ رد الصوت القادم من سماعة الهاتف: قام خليفة المسلمين وإمامها، الشيخ أبو بكر البغدادي، حفظه الله ورعاه، استدعاء كافة أعضاء التنظيم في العراق وسوريا وقد تصالح بشكل مفاجئ مع قائد جبهة النصرة، أبي محمد الجولاني. وبعد التشاور توصلا معاً إلى تجنب القتال تحت راية قائد شيعي فقررا التوجه نحو المملكة الأردنية الهاشمية ليتم تحريرها، ويبدو أن الأمر جاهز على الأراضي الأردنيةـ ومن ثم يتم فتح جبهة ثالثة ضد العدو الإسرائيلي.

ثم وجه حديثه إليّ معاتباً تارة ومهاجماً تارة أخرى:  هل أدركت يا هذا خطأك؟ هل علمت أن مزاعمك بأن إيران لن تهاجم اسرائيل قد تبخرت ولن يصدقك أحداً بعد اليوم؟ هل تملك الشجاعة بالتراجع عن ذلك ولو من خلال تغريدة على تويتر؟ قلت مدافعاً: نعم أملك هذه الشجاعة وسوف أغرد بذلك الآن واعتذر عن كل ما بدر مني واعترف بخطأي الجسيم. وبالفعل مددت يدي إلى  الجهاز اللوحي (الآيباد) الذي كان على منضدة  إلى جواري، ولم استيقظ إلا وقد سقطت من فوق سريري وسمعت حينها مآذان الحي تصدح بالأذان معلنة دخول وقت صلاة المغرب!   


 

السبت، 28 يونيو، 2014

بعد عام من انتخابه... روحاني في الميزان



شؤون إيرانية
بقلم: محمد السلمي
المصدر: الشرق الأوسط

تعيش إيران هذه الأيام الذكرى الأولى لفوز الدكتور حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية وعودة التيار «المعتدل/ الإصلاحي» إلى منصب رئيس الجمهورية بعد ثمانية أعوام من سيطرة التيار المحافظ على المنصب ممثلا في محمود أحمدي نجاد. من المؤكد أن روحاني سعيد بـ«الإنجازات» التي حققها خلال السنة الأولى لرئاسته؛ فقد أخرج إيران من عزلة سياسية وصعوبات اقتصادية بسبب المخاوف من برنامج إيران النووي وطموحاتها في إنتاج أسلحة الدمار الشامل، فلقد كان لاتفاق جنيف في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013 بين إيران ومجموعة 5+1، الأثر الكبير في خروج إيران – مؤقتا - من عنق الزجاجة سياسيا واقتصاديا، فتم انفتاح إيران سياسيا على العالم كما تم الإفراج عن بعض أموال إيران المجمدة بسبب العقوبات الاقتصادية وعادت (أو أعلنت عن رغبتها في العودة) بعض الشركات الدولية إلى الأسواق الإيرانية. ولكن ماذا عن الوجه الآخر للعملة «الروحانية» وماذا قدمت لكسب الثقة في داخل إيران وخارجها؟

على الصعيد الخارجي، استمرت سياسة إيران القائمة على التدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار العربي. كان البعض قد استبشر خيرا بقدوم رئيس محسوب على التيار المعتدل في إيران وتوقع هؤلاء أن تعيد طهران النظر في سياساتها هذه خاصة أن روحاني يرفع شعار الانفتاح على المنطقة وإعادة بناء الثقة بين إيران ودول الجوار العربي تحديدا. إن استمرار طهران في هذا النهج والتركيز على الجانب الإعلامي والاكتفاء بإطلاق التصريحات والخطب المنمقة دون أخذ خطوات حقيقية وملموسة على الأرض تقنع الجوار العربي بأن إيران قد تغيرت فعلا بعد وصول روحاني إلى مقعد الرئاسة أصاب المتفائلين بإيران جديدة – كما تم الترويج لذلك إقليميا ودوليا - بخيبة أمل شديدة ورسخ مفهوم أن تغير الوجه الرئاسي في إيران لا يعني الكثير خاصة فيما يتعلق بالتوجهات السياسية لإيران بقيادة ولي الفقيه.

على الصعيد الداخلي، نلحظ ارتفاع وتيرة الصراع بين المحافظين والإصلاحيين خلال الأشهر القليلة الماضية، وإن حاول النظام الإيراني تعمد إخفاء ذلك. ظهر خلاف بين الحكومة برئاسة روحاني والحرس الثوري وقد عبر روحاني عن انزعاجه من تدخل بعض المؤسسات العسكرية – ويعني الحرس الثوري تحديدا - في الجوانب الاقتصادية والسياسية في البلاد وطالبهم بالعودة إلى ثكناتهم العسكرية والتركيز على المهام المنوطة بهم. من المعلوم أن الحرس الثوري استثمر مسألة العقوبات ليسيطر بشكل كبير على مفاصل الاقتصاد الإيراني مما جعل منه قوة سياسية تشكل تحديا حقيقيا في وجه رئيس الجمهورية خاصة في ظل سياسة الانفتاح على الخارج التي ينتهجها روحاني، الأمر الذي يتعارض ومصالح الحرس الثوري الاقتصادية والسياسية. ولقد استعرض الحرس الثوري قوته من خلال تسجيل مسرب لقائد الحرس الثوري الإيراني، اللواء محمد علي جعفري، خلال إلقاء كلمة في اجتماع لكبار قيادات الحرس الثوري بعد قمع الاحتجاجات عام 2009 وفوز نجاد بولاية ثانية يؤكد تدخل الحرس الثوري في نتائج الانتخابات لصالح نجاد ضد التيار الإصلاحي، ويرى البعض أن هذه رسالة تحذيرية للحكومة الحالية تقول إن الحرس الثوري قد يفعلها مجددا متى ما اضطر إلى ذلك.
تصريحات الرئيس روحاني التي انتقد فيها المدرسة المتشددة وحثها على «الامتناع عن التدخل كثيرا في حياة الناس الذين لا يمكن ترهيبهم بالسياط لدخول الجنة، بل يختارون طريقهم إلى السماء» مثال آخر على الصراع القائم بين التيارين المعتدل والمحافظ، أثارت هذه التصريحات حفيظة رموز التيار المحافظ وعلى رأسهم المرشد الأعلى حيث علق على تصريحات روحاني بأنها سياسة استسلام للغرب وواصفا مروجي «ثقافة الاستسلام أمام الاستكبار» بـ«الخونة»، على حد تعبيره. كما علق خطيب الجمعة في طهران أحمد خاتمي على تصريحات روحاني أيضا واعتبرها «أوهاما».
من الخطوات التي قام التيار المحافظ باتخاذها في معركته ضد المعتدلين إيقاف ثلاث صحف محلية محسوبة على الإصلاحيين عن النشر وقد تم هذا الإيقاف خلال أقل من ثلاثة أشهر، هذه الصحف هي «آسمان»، «ابتكار» و«قانون».
كذلك استمرت حكومة روحاني على نهج الحكومات الإيرانية السابقة فيما يتعلق بتهميش الأقليات العرقية والدينية في إيران رغم الوعود التي قطعها روحاني على نفسه خلال حملته الانتخابية، مما قاد نسبة عالية من هذه الأقليات للتصويت له خلال الانتخابات، وقد قام روحاني بتعيين نائب له لشؤون الأقليات إلا أن الواقع على الأرض لم يتغير مطلقا واستمرت سياسة التهميش لأبناء هذه الأقليات.
على المستوى الاقتصادي، استمرت معاناة المواطن الإيراني اقتصاديا؛ فالأسعار لا تزال جنونية وتم رفع أسعار الوقود ونسب التضخم لا تزال مرتفعة، كما أن نسب البطالة لا تزال مرتفعة جدا وفي المقابل لم يرتفع دخل المواطن بمعدل يتناسب والوضع القائم، الأمر الذي أثقل كاهل المواطن الإيراني دون أي بوادر حقيقية لتحسين مستواه المعيشي.
وأخيرا، استبشر الشباب الإيراني بقدوم رئيس معتدل خيرا، وتوقعوا رفع الكثير من القيود المفروضة عليهم، إلا أن الوضع انحدر من سيئ إلى أسوأ، فتم حجب «الإنستغرام» إضافة إلى استمرار حجب مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى مثل «يوتيوب» و«فيسبوك» و«تويتر» خاصة أن أهم شخصيتين في الحكومة الإيرانية الحالية، رئيس الجمهورية ووزير الخارجية، يستخدمان «تويتر» و«فيسبوك» (وإن كان من خلال استخدام بروكسيات لتجاوز الحجب) للتواصل مع الداخل والخارج.
ختاما، بالنظر لكل الجوانب، على المستوى الداخلي والخارجي، وتقييم الوضع العام منذ وصول روحاني لمنصب رئيس الجمهورية حتى الآن نجد أن هناك تقدما نسبيا على المستوى الخارجي وتراجعا كبيرا فيما يتعلق بالأوضاع في الداخل، أي أن حكومة روحاني اتجهت إلى تحسين وجه إيران خارجيا على حساب حقوق المجتمع الإيراني بكافة شرائحه، الأمر الذي يعيد إلى الأذهان التجربة الإصلاحية السابقة في عهد الرئيس الأسبق محمد خاتمي.


سایکس بیکو على الطريقة الإيرانية



شؤون إيرانية
بقلم: محمد السلمي
المصدر: مجلة المجلة

مع التطورات المتلاحقة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط خاصة بعد الأوضاع الراهنة على الساحة العراقية، شعرت إيران، ربما، بشيء من امتداد هذا اللهيب إلى داخل حدودها، خاصة وأن النظام الإيراني دخل تجربة هذه التحركات مبكرًا -وإن كانت أقل حدَّة مما شهدته المنطقة العربية- في عام 2009م بعد نتائج الانتخابات الرئاسية التي أعادت ترشيح الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد لولاية ثانية.

إيران تبدو أكثر تماسكًا حتى الآن رغم تركيبتها الفسيفسائية عرقيًّا ودينيًّا ومذهبيًّا وثقافيًّا. تحاول إيران دائمًا إخفاء الغليان الذي يعيشه المجتمع الإيراني بمختلف شرائحه، وتسعى في الغالب، إلى القيام بخطوات “استباقية” ووأد الخطر في مهده قبل أن ينمو ويتوسع ويصبح بمثابة كرة ثلج يزداد حجمها كلما تدحرجت.

مؤخرًا، أعلن “جواد ناصريان” -مساعد وزير الداخلية الإيراني لشؤون التنمية والموارد البشرية- عن تقسيم البلاد إلى خمس مناطق بدلاً من إحدى وثلاثين محافظة. هذا التقسيم -ووفقًا للمسئول ذاته- يستهدف تبادل الخبرات وإقامة اجتماعات مشتركة. بداية لنلقي نظرة على المناطق الخمس التي تم الإعلان عنها:

المنطقة الأولى: تشمل محافظات طهران، قزوين، مازندران، سمنان، كلستان، البرز، وقم.
المنطقة الثانية: تشمل محافظات أصفهان، فارس، بوشهر، تشهار محل بختياري، هرمزجان، وكهكيلوية، وبوير أحمد.
المنطقة الثالثة: تشمل محافظات أذربيجان الشرقية، أذربيجان الغربية، أردبيل، زنجان، جيلان، وكردستان.
المنطقة الرابعة: تشمل محافظات كرمانشاه، إيلام، لرستان، همدان، مركزي وخوزستان (عربستان).
المنطقة الخامسة: تشمل محافظات خراسان رضوي، خراسان جنوبي، خراسان شمالي، كرمان، يزد وسيستان، وبلوشستان.


ربما يعتقد البعض أن هذا الإجراء مجرد تنظيم إداري وتنموي بحت، أو إعادة إحياء لتقسيم يعود تاريخه إلى أكثر من قرن من الزمان، من حقبة الدولة القاجارية وخلال الثورة الدستورية تحديدًا (1905-19011م) عندما كانت إيران تقسم إلى أربع ولايات هي: (أذربيجان، فارس، خراسان، وكرمان) وذلك قبل أن يتم احتلال الأحواز لاحقًا في العصر البهلوي، ولكن عند التدقيق في طريقة التقسيم هذه يظهر جليًّا أن الأمر أبعد من تبادل الخبرات والاجتماعات أو الحنين إلى التقسيم القديم، إلى محاولة طمس المحافظات التي تحمل أسماؤها دلالات عرقية، أو ذات الأغلبية العرقية، مثل عربستان، كردستان، أذربيجان وغيرها، والتي يساورها دائمًا هاجس الانفصال عن الحكومة المركزية في طهران.

كما هو المتوقع فقد قامت طهران بخطوات سريعة بعد إعلان هذا التقسيم، حيث أطلقت أسماء “طهران، أصفهان، كرمانشاه، خراسان الرضوي، وأذربيجان الشرقية “كمسميات جديدة لهذه المناطق، وبالتالي دمج المحافظات القائمة مع بعضها البعض، واختيار عواصم جديدة لهذه المناطق، ومن المؤكد أنها -أي أسماء العواصم- لن تكون من المحافظات والمدن ذات البعد العرقي، وستجد الحكومة مبررات لذلك من أهمها ضرورة أن تكون العاصمة لهذه المدن في موقع يتوسط المنطقة، أي في قلب خارطة إيران، وبالتالي ينتفي تواجد المدن ذات البعد العرقي كون الأقليات العرقية –غير الفارسية طبعًا- تمتد في المناطق الحدودية.

انظروا إلى الخريطة الجديدة (أعلاه) بتمعن، سيلاحظ القارئ أن التقسيم جاء رأسيًّا (طوليًّا)، من الشمال إلى الجنوب، وبالتالي تصبح منطقة ما يعرف بهضبة إيران (الوسط) قاسمًا مشتركًا في جميع هذه المناطق، وبناءً على ذلك ستكون العاصمة المرشحة مدينة ذات غالبية فارسية ما عدا -ربما- المنطقة الثالثة ذات الأغلبية الآذرية.
 
ما يثبت هذه الفرضية تحرك بعض أعضاء البرلمان ضد هذا التقسيم، فبعد يوم واحد من إعلانه، اعترض ستون من أعضاء البرلمان الإيراني على ذلك، واعتبروا ذلك أمرًا قد يثير الكثير من الخلافات، ويتسبَّب في احتقان في المجتمع الإيراني مما قد ينجم عنه مشكلات كثيرة، كما أن هذا القرار لم يأخذ في الحسبان الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمع، كما أنه إجراء غير قانوني أيضًا. فكيف سيكون هناك أحتقان في المجتمع وبروز لمشكلات ليست في الحسبان إذا كان الأمر ينحصر في تبادل الخبرات فقط؟

من الشواهد الأخرى التي تجعل هذه الفرضية أقرب إلى الحقيقة قيام النظام الإيراني -قبل عام تقريبًا- بمحاولة مماثلة ولكن تم إجهاضها. تم الإعلان آنذاك عن خطة تقسيم جديد للمحافظات، واقتطاع أجزاء من بعض هذه المحافظات وضمها إلى أخرى خاصة في المناطق الجنوبية والجنوبية الغربية، وكان هناك خطة لمد إقليم فارس (في الوسط) ليصبح له منفذ بحري على الخليج العربي من خلال اقتطاع مدن وقرى من محافظتي هرمزجان وبوشهر. واجهت هذه الخطة اعتراضات واسعة من قبل أهالي الإقليمين الأخيرين، واللذين يقطنهما إما أقليات عرقية، خاصة العرب، أو أقلية مذهبية، كالسنَّة الذين يشكلون الأغلبية في محافظة هرمزجان.

وبعد أن فشل هذا المخطط تم تقديم المخطط ذاته مجددًا ولكن بثوب جديد يتمثل في تقسيم كافة البلاد حتى يتم إبعاد الشبهة عن مخطط يستهدف الأقليات العرقية والمذهبية في إيران، ويطمس هويتها من خلال مشروع تغيير لتغيير التركيبة الديمغرافية في بعض المحافظات. هذا المخطط ليس مبتكرًا أو حصرًا على الجمهورية الإسلامية، بل إرث انتقل من النظام الشاهنشاهي القومي إلى النظام الحالي. في ثلاثينيات القرن الماضي اقترح القوميون الفرس على شاه إيران آنذاك، رضا بهلوي، القيام بترحيل بعض العائلات من المناطق الحدودية؛ حيث الأقليات العرقية، إلى المناطق الوسطى لكي يتعلموا اللغة الفارسية، وتصبح اللغة الأم للجيل الجديد، كما تم اقتراح نقل عائلات فارسية من مناطقهم إلى المناطق الحدودية لنشر اللغة والثقافة الفارسية، كما تم اقتراح بيع الصحف والمجلات الفارسية في تلك المناطق بأسعار أقل منها في طهران بهدف “فرسنة” تلك المجتمعات.
 
يبدو أن هذا المشروع لايزال قائمًا، والمحاولات مستمرة وإن ظهرت بأنماط مختلفة بين الفينة والأخرى، وجميعها يصب في هدف واحد، وهو الحيلولة دون مطالبات المناطق ذات الأقليات العرقية بالاستقلال. كان من الأجدر بالحكومة المركزية في طهران أن تغيِّر من طريقة تعاملها مع هذه الأقليات، فبدلاً من التهميش والحرمان الاقتصادي والثقافي واللغوي والمذهبي والتنموي والتعليمي، تتجه إلى إرساء العدالة الاجتماعية، والمساواة بين كافة مكونات المجتمع الإيراني بعرقياته وأديانه ومذاهبه المختلفة، والالتفات إلى مناطق الأقليات العرقية والمذهبية، ومعالجة الفقر والحرمان الذي تعاني منه تلك المناطق، وهو بالمناسبة الأعلى على مستوى البلاد خاصة في مناطق الأحواز وسيستان وبلوشستان، وفقًا لتقارير إيرانية رسمية، بدلاً من التفكير في مخططات تسعى إلى إذابة هذه الأقليات، وإجبارها على ثقافة عرق واحد -العرق الفارسي- والذي لا يشكِّل أكثر من 50% من مكونات المجتمع الإيراني بأطيافه العربية والكردية والآذرية التركية، والتركمانية والبلوشية واللورية ومذاهبه وأديانه الشيعية الاثناعشرية والإسماعيلية والسنية واليهودية والمسيحية والزرادشتية (المجوسية) والشيخية والبهائية.