تويتر

الخميس، 16 مايو، 2013

خيارات مستقبل العلاقة بين إيران ودول الخليج العربي



شؤون إيرانية:
بقلم: محمد السلمي
المصدر: الشرق الأوسط


قد يكون من الصعوبة بمكان التنبؤ بمستقبل العلاقات الإيرانية - الخليجية ومدى تحسن هذه العلاقات أو أنها سوف تتجه نحو مزيد من التوتر بعد الانتخابات الرئاسية في دورتها الحادية عشرة من عمر الجمهورية الإسلامية في إيران، والمزمع عقدها بتاريخ 14 يونيو (حزيران) المقبل، كما أنه من السابق لأوانه، أيضا، الحديث عن نتائج الانتخابات الرئاسية في إيران على الرغم من انتهاء فترة التسجيل والترشح يوم السبت الماضي، وبالتالي فجميع الخيارات لا تزال مطروحة. إلا أن ذلك لا يمنع من استشراف المستقبل وفقا للمعطيات الراهنة والشخصيات التي تقدمت للترشح.  نستطيع القول دون تردد إن نتائج الانتخابات القادمة ستكون ميزان العلاقة بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي وإيران، والبوصلة التي تحدد اتجاه هذه العلاقة، فإما العودة لما قبل 2005 حيث الفترتان الرئاسيتان للرئيس محمد خاتمي، واللتان شهدتا انفتاحا كبيرا في العلاقات بين الجانبين يعد الأول من نوعه منذ انتصار الثورة في 1979، أو الاستمرار على خُطى الرئيس أحمدي نجاد ومزيد من التوتر بين الجانبين.

 ولعله من نافل القول أن نشير إلى أن الأمر ليس حكرا على العلاقة مع دول الجوار فحسب، بل إن هناك ملفات كثيرة تواجه الرئيس الإيراني القادم وعلى رأسها أزمة البرنامج النووي الإيراني. يرغب المرشد الأعلى، ولا شك، في خروج إيران من عنق الزجاجة وحل الصعوبات التي تواجهها البلاد اقتصاديا وسياسيا، وكذلك تخفيف الاحتقان الذي يعيشه الشارع المحلي، وكل ذلك لن يتم إلا من خلال رئيس يستطيع تحقيق ذلك ولكن وفق شروط من أهمها ضمان الانقياد التام لتوجهات المرشد بعد أن لُدغ من أحمدي نجاد، خاصة في الفترة الرئاسية الثانية، بإعلانه التحدي له بعد أن كان الابن المطيع للمرشد في الفترة الرئاسية الأولى، وهو درس لخامنئي وخطأ لن يسمح بتكراره مطلقا.

خلال الأيام القليلة الماضية طالعتنا مواقع ووكالة أنباء إيرانية بأخبار تتحدث عن استعدادات كبيرة لعودة الإصلاحيين للسباق الانتخابي، وهو ما حدث بالفعل. يأتي اسم رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام علي أكبر هاشمي رفسنجاني على رأس القائمة الإصلاحية. رفسنجاني صرح بأن دخوله السباق الرئاسي «مرهون بإذن المرشد الأعلى، وفي ما عدا ذلك فلا فائدة من الترشح، بل إن الترشح قد يعطي نتائجا عكسية». يفهم من هذا التصريح أن دخوله الانتخابات يعني فوزه فيها، وبالتالي عودة أحد أهم رموز الثورة إلى الواجهة السياسية مجددا، فرفسنجاني يعد من أعمدة النظام الحالي، وهو من جاء بخامنئي إلى الواجهة ورشحه لمنصب الولي الفقيه بعد رحيل آية الله روح الله الخميني عام 1989. وعلى الرغم من أن رفسنجاني قد فقد الكثير من قوته وأصبح ينظر إليه كتركة ثقيلة على النظام فقدت بريقها في السنوات القليلة الماضية فإن تمسكه بمنصب رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام يجعل عودته إلى صراعات التيارات السياسية في إيران ممكنه في أي وقت، وربما يرى أن وقت العودة قد حان بعد أن وضع حدا للشائعات حول مشاركته وترشح فعليا في آخر يوم للتسجيل في الانتخابات الرئاسية. مع ترشح رفسنجاني في اللحظات الأخيرة أعلن معظم المرشحين من التيار الإصلاحي انسحابهم لصالحه. فوز مرشح التيار الإصلاحي في الانتخابات القادمة قد يقود إلى تحسن كبير في العلاقات مع دول المنطقة والخليج تحديدا.

من جانب المحافظين، تبرز أربعة أسماء مرشحة للمنافسة على مقعد الرئاسة. نتحدث بطبيعة الحال عن وزير خارجية إيران السابق والمستشار السياسي الحالي لخامنئي، علي أكبر ولايتي، ورئيس بلدية طهران محمد باقر قاليباف، وعضو مجمع تشخيص مصلحة النظام والرئيس السابق للبرلمان الإيراني وعضو البرلمان الإيراني منذ دورته السادسة وحتى الآن، غلام علي حداد عادل، إلا أن هؤلاء المرشحين الذين يشكلون الائتلاف الثلاثي في الانتخابات الرئاسية المقبلة قد يقودون العلاقات مع دول الجوار إلى مزيد من التوتر ما عدا قاليباف الذي يعد الأقل خبرة من الناحية السياسية من بين هؤلاء الثلاثة، وقد يستطيع خامنئي توجيهه في الاتجاه الذي يراه مناسبا من دون أي صعوبات تذكر، وبالتالي قد تشهد العلاقات شيئا من الانفراج ولكن ليس بمستوى ما سيحدثه فوز مرشح من التيار الإصلاحي. الأمر كذلك ينطبق على المرشح الرابع في هذا التيار، كبير المفاوضين النوويين الإيرانيين سعيد جليلي.

 وهناك تيار ثالث بين هذين التيارين وهو التيار المقرب من الرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد. نستطيع القول إنه من المستبعد أن تتغلب إيران على تلك المشاكل المتراكمة على يد مرشح محسوب على هذا التيار على الرغم من أن اسفنديار رحيم مشائي مرشح محتمل للانتخابات الرئاسية، وقد ظهر نجمه في الساحة السياسية بشكل قوي خلال فترة رئاسة محمود أحمدي نجاد، حيث تنقل بين عدة مناصب من أهمها مدير مكتب رئيس الجمهورية، ويشغل حاليا منصب الأمين العام لحركة عدم الانحياز ورئيس المركز الوطني للعولمة، كما تربطه علاقة مصاهرة مع أحمدي نجاد الذي يدعمه بشكل كبير. إلا أن بعض الشخصيات الأصولية أعلنت أنها ستقف في وجه ترشحه للانتخابات القادمة، ويبدو أن فوزه في الانتخابات شبه مستبعد حتى وإن تمت المصادقة على ترشحه تجنبا لأي فوضى قد يحدثها أنصار هذا التيار خلال فترة سير الانتخابات، وحتى وإن انتصر في الانتخابات المقبلة فإن مستقبل العلاقة مع دول الخليج قد يبقى على ما هو عليه الوضع حاليا.

 ختاما، من المؤكد أن الدعم الإيراني للنظام السوري قد جعل عودة العلاقات الخليجية مع إيران إلى عصرها الذهبي إبان فترة خاتمي الرئاسية خيارا غير مطروح في الوقت الراهن، إلا أن فوز الإصلاحيين في الانتخابات قد يقود إلى انفراج كبير في العلاقات بين الجانبين، لكن ومع ذلك تبقى الثورة السورية ميزانا مهما في هذه العلاقة في جميع الأحوال. كما أن موقف المرشد الأعلى من كل ذلك في غاية الأهمية، والضمانات التي سوف يقدمها من يفوز في الانتخابات لرأس الهرم في النظام الإيراني سيكون لها الأثر البالغ، مع الأخذ في الاعتبار أن هناك خطوطا حمراء، خاصة على المستويين الأمني والثقافي، لا يمكن لأي رئيس في إيران الاقتراب منها، وما عدا ذلك فالخيارات مفتوحة للرئيس، إلى حد كبير، خاصة إذا كانت ستعمل على إخراج البلاد من العزلة السياسية والاقتصادية التي تعيشها على المستويين الإقليمي والدولي.


3

الاثنين، 6 مايو، 2013

هل سيفعلها نجاد ويغرق الجميع؟



شؤون إيرانية

بقلم: محمد السلمي

يواجه الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد مرحلة معقدة وحرجة في مسيرته السياسية ويتعرض لهجوم عنيف من قبل التيار المحافظ والدوائر السياسية المقربة من المرشد الأعلى السيد علي خامنئي. فقبل أيام وجه التيار المحافظ ممثلا في حسين شريعتمداري ممثل خامنئي في صحيفة «كيهان» المحافظة وإحدى أبرز الشخصيات المقربة من المرشد، وجه هجوما لاذعا تجاه شخص الرئيس أحمدي نجاد من خلال تصريح الأخير بأن إيران «لا تفضل رئيسا جبانا» في إشارة إلى أحمدي نجاد. في اليوم ذاته اتهم حسن فيروز آبادي رئيس قيادة الأركان بالقوات المسلحة الإيرانية وأحد المتحدثين باسم النظام اتهم أحمدي نجاد بما سماه «تشويش الرأي العام في البلاد» وهي تهمة يعاقب عليها النظام الإيراني بالحبس لمدة عامين. وأضاف فيروز آبادي أن «على نجاد وقف التحدث بشكل يتعارض مع رؤية إيران».

من التهم الموجهة لفريق أحمدي نجاد أيضا تلك التي وجهت إلى محمد رضا رحيمي النائب الأول لرئيس الجمهورية باستخدامه لمؤهل دراسي مزور وحصوله بناء على ذلك على وظيفة في الحكومة وهو اتهام مشابه لذلك الذي سبق وتم توجيهه لعلي كردان وزير الداخلية السابق في حكومة أحمدي نجاد، ولعل التهم الأكثر جدية وخطورة هي تلك التي يواجهها إسفنديار رحيم مشائي وهي تهمة تتمحور حول التشكيك في أصل «الولاية» بل وتهمة الإلحاد والانتماء لبعض الفرق «الضالة» كالبهائية ونحوها.
أحمدي نجاد يواجه الآن مصيرا مشابها لمصير الإصلاحيين بعد انتخابات 2009 الشهيرة وبالتالي يرى أن الانتخابات القادمة معركته الأخيرة والحاسمة مع التيار المحافظ. يركز أحمدي نجاد في معركته ضد المحافظين على الجانب القومي ورفع راية القومية أو ما يعرف في إيران بـ«مكتب إيراني-المدرسة الإيرانية» في مقابل المدرسة الدينية التي يتخذها النظام شعارا له، وهي – أي القومية – نغمة تطرب الأذن الإيرانية خاصة جيل الشباب. يدخل أحمدي نجاد معترك الانتخابات الرئاسية القادمة ليس كمرشح انتخابي هذه المرة ولكن كشخصية صنعت تيارا سياسيا جديدا في حلبة الصراعات السياسية في إيران بعد أن كانت محصورة بين فريقي المحافظين والإصلاحيين. يخوض أحمدي نجاد معركته هذه من خلال اسمين رئيسيين هما صهره ومدير مكتبه سابقا والأمين الحالي لحركة عدم الانحياز إسفنديار رحيم مشائي، وكبير المستشارين في حكومته والمقرب من رجل الدين محمد تقي مصباح يزدي، مجتبي هاشمي ثمرة، إلا أن هناك من يرى أن ثمرة لن يغامر بمستقبله والدخول في معركة خطرة من خلال الوقوف في وجه التيار المحافظ. عليه فإن الخيار الوحيد الذي يراهن عليه أحمدي نجاد وسيقاتل من أجله هو صهره مشائي وهو آخر سهم في جعبته في مواجهة خصومه في الانتخابات القادمة.

الواقع يقول: إن نجاد يملك مفاتيح إدارة ميدان المعركة من خلال وزارة الداخلية التي تشرف على سير العملية الانتخابية إلا أن تطبيق قوانين المعركة من البداية وحتى النهاية ومن مرحلة تأييد حق الترشح وحتى المصادقة على الفائز في المعركة كل ذلك بيد التيار المحافظ ممثلا في مجلس صيانة الدستور وبالتالي يواجه نجاد معركة صعبة جدا قد يرى أنه سيكون الخاسر فيها إلا أنه سيرمي بكافة الكروت التي يملكها ويطلق كافة السهام على التيار المحافظ قبل الإذعان بالهزيمة.

المتابع للشأن الإيراني يجد أن الرئيس أحمدي نجاد هدد خصومه وفي أكثر من مناسبة بكشف كل ما لديه من أوراق وتسجيلات (كالتسجيل بالصوت والصورة ضد أحد أفراد عائلة لاريجاني المتنفذة والذي كشف عنه أحمدي نجاد قبل أشهر تحت قبة البرلمان الإيراني والذي يتهمهم فيه بالفساد المالي) متى ما دعت الحاجة إلى ذلك كنوع من الدفاع عن النفس في مقابل ما يتعرض له بين الفينة والأخرى من هجوم من التيار المحافظ الذي ما انفك يتهم الرئيس بسوء إدارة البلاد من النواحي السياسية والاقتصادية إلى جانب التهجم على شخصية نجاد وتوجهاته الفكرية. ويبدو أن أحمدي نجاد لا يزال يملك الكثير من الأدلة والبراهين التي قد تضر ليس بالتيار المحافظ فحسب بل ومن يتربع على قمة الهرم في الجمهورية الإسلامية أيضا. لقد هدد أحمدي نجاد وبشكل متكرر بفضح بعض المسؤولين في البلاد وفتح ملفات فساد آخرين ويلمح إلى أنهم قد جمعوا ثرواتهم ورسخوا سلطتهم من خلال مناصبهم. ولعل آخر بل وأخطر ما يملك من هذه الأدلة التقرير الذي نشره موقع «بازتاب أمروز» الإيراني يوم السبت الماضي الموافق 27 أبريل (نيسان) 2013 ومفاده أن أحمدي نجاد يملك شريطا صوتيا مسجلا يعود تاريخه إلى 23 خرداد 1388 الموافق 13 يونيو (حزيران) 2009 يثبت أنه حصل – أي أحمدي نجاد – خلال انتخابات 2009 على 16 مليون صوتا وقد قام النظام بتزوير ثمانية ملايين أخرى لصالحه بينما حصل منافسه في تلك الانتخابات الإصلاحي مير حسين موسوي على 13 مليون صوتا. (موقع «بازتاب أمروز» قد قام بحذف الخبر ولكن هناك من قام بالاحتفاظ بنسخة منه قبل عملية الحذف هذه).
 
وقد ذكر الموقع أنه في حالة عدم الموافقة على ترشح إسفنديار رحيم مشائي في الانتخابات القادمة فإن الرئيس أحمدي نجاد سوف يقوم بنشر هذا الشريط الذي يحتوي على مكالمات هاتفية له مع بعض المسؤولين المتنفذين في نظام الجمهورية الإسلامية في إيران. وأضاف الموقع أنه في هذه المحادثة الهاتفية «قام أحد المسؤولين بإبلاغ أحمدي نجاد بأن الرقم الحقيقي لمجموع الأصوات التي حصل عليها قد بلغ 16 مليون صوتا فقط مبينا بأنه ولكي لا يتم التشكيك في نتائج الانتخابات فإنه تقرر الإعلان عن مجموع من أدلوا بأصواتهم قد بلغ 24 مليون شخصا» وأضاف الموقع بأن أحمدي نجاد قد قام بإجراء الاتصالات اللازمة ببعض المسؤولين في البلاد ليحثهم على عدم إعلان الرقم الحقيقي الذي حصل عليه في العملية الانتخابية.
وقد ناقش الموقع الإيراني إمكانية وجود مثل هذا الشريط الصوتي المسجل مقدما احتمالين أحدهما يتمحور حول النظر إلى أن ادعاء وجود هذا التسجيل يندرج تحت مظلة الحرب النفسية والضغوط التي يمارسها أحمدي نجاد على مجلس صيانة الدستور بهدف الموافقة على ترشح مشائي للانتخابات الرئاسية، والآخر يقبل وجود التسجيل الصوتي هذا وأن أحمدي نجاد سعى من وراء إثارة موضوع ما حصل عليه من أصوات في انتخابات 2009م إلى اتهام النظام ومجلس صيانة الدستور بالتلاعب بنتائج الانتخابات.

الجدير بالذكر أنه عادة ما يتم إعلان نتائج الانتخابات من قبل وزارة الداخلية أولا وأن الجهة الوحيدة المخولة بتأييد النتائج هي مجلس صيانة الدستور إلا أن إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية في عام 2009 كان من قبل المرشد الأعلى علي خامنئي شخصيا. وبعد إعلان خامنئي عن فوز أحمدي نجاد في الانتخابات أصدرت وزارة الداخلية الإيرانية بيانا ذكرت فيه أن أحمدي نجاد قد فاز في الانتخابات من خلال حصده أكثر من 24 مليونا من الأصوات بنسبة تقارب 63٪ من إجمالي عدد الناخبين. بغض النظر عن مدى مصداقية خبر تلويح أحمدي نجاد بالتسجيل الصوتي المذكور آنفا من عدمه، إلا أن حقيقة إعلان المرشد الأعلى للنتائج قبل الجهات المخولة بذلك قد يجعل موضوع التسجيل الصوتي أكثر قبولا رغم أن أحمدي نجاد سيكون أول المتضررين من ذلك وينطبق عليه مقولة «علي وعلى أعدائي». ولكن الرئيس الحالي ليس لديه ما يخسره إذا ما تم استبعاد مشائي من سباق الانتخابات الرئاسية من قبل مجلس صيانة الدستور وبالتالي قد يقود ذلك الرئيس الحالي إلى فضح الجميع قبل انتهاء فترته الرئاسية ومغادرة مقعد الرئاسة. ختاما، الأسابيع القليلة القادمة ستكون حبلى بالكثير من المفاجآت وبطبيعة الحال سوف يحتدم الصراع بين التيار المحافظ المقرب من المرشد الأعلى وتيار أحمدي نجاد بعد أن تنحى أو أجبر التيار الإصلاحي وحتى الآن على التنحي عن العملية الانتخابية.

المصدر: مجلة المجلة

الاثنين، 29 أبريل، 2013

اللعبة الخطرة في العلاقات المصرية - الإيرانية



شؤون إيرانية
بقلم: محمد السلمي


تحدثت في مقال سابق عن العلاقات الإيرانية – المصرية منذ انتصار ثورة 25 يناير، وقمت برصد معظم الزيارات المتبادلة بين الجانبين والوفود المصرية متنوعة التوجهات ومختلفة الميول التي استضافتها الحكومة الإيرانية ونظمت لها عدة زيارات ولعل آخرها مشاركة وفد إعلامي مصري في احتفالات إيران بذكرى انتصار الثورة الإسلامية، وتطرقت آنذاك إلى الأهداف التي تسعى إيران إلى تحقيقها من وراء هذا التقارب مع مصر ما بعد الثورة ومحاولتها لاستقطاب إعلاميين مصريين شباب ليكتبوا باسمها ويقوموا بتلميع صورتها في الإعلام العربي والمصري تحديدا، كما أن الأمر قد يتعدى الإعلاميين والكتاب الشباب إلى اختراق بعض النخب في المجتمع المصري وبمختلف ميولهم وتوجهاتهم (انظر: ماذا تريد إيران من مصر ما بعد الثورة؟ ).

إلا أن زيارة الرئيس الإيراني إلى مصر مؤخرا ومشاركته في قمة التضامن الإسلامي التي احتضنتها القاهرة خلال شهر فبراير (شباط) الماضي، ومكوث الرئيس أحمدي نجاد في مصر لما يقارب الأسبوع، ولقاءه عددا من المسؤولين المصريين – كانت نقطة تحول في العلاقة بين البلدين وخطوة كبيرة في التقارب بين البلدين. لقد كشف أحمدي نجاد من القاهرة عن عزم بلاده إلغاء شرط التأشيرة عن المصريين الذين يعتزمون زيارة إيران بغرض السياحة أو التجارة (وهو ما تم فعلا، حيث صدقت الحكومة الإيرانية على ذلك في نهاية شهر مارس «آذار» الماضي). ما هي إلا أيام بعد هذه الزيارة حتى شهدنا زيارة وزير السياحة المصري هشام زعزوع لإيران، حيث قام بزيارة عدد من المدن الإيرانية والتقى النخب السياسية والثقافية هناك. وخلال هذه الزيارة، أعلن الوزير زعزوع استعداد بلاده لاستقبال السياح الإيرانيين، إلا أن ذلك سيقتصر في بداية الأمر على مدينتين تاريخيتين في جنوب مصر هما «أسوان» و«الأقصر»، وهناك مطالبات بفتح المجال للسياح الإيرانيين لزيارة شرم الشيخ والقاهرة حيث بعض الأضرحة والمزارات الدينية. الأمر الآخر الذي تم خلال هذه الزيارة، هو قيام الوزير بتوقيع اتفاقية تبادل سياحي بين البلدين، والأهم اتفاقية توأمة في المجال الثقافي والسياحي بين محافظة فارس الإيرانية وجمهورية مصر العربية، الأمر الذي اعتبره الكثير من المحللين إهانة لتاريخ دولة بحجم مصر وتاريخها وتراثها، متسائلين: كيف تتم التوأمة بين محافظة ودولة بكاملها.

كل هذا يقودنا إلى طرح السؤال الأهم، من وجهة نظري، وهو: لماذا تريد إيران بناء علاقات وطيدة مع مصر ما بعد الثورة وفي هذا الوقت تحديدا، خاصة أن إيران تساهم بشكل يومي ومباشر في إراقة دماء الشعب السوري باصطفافها إلى جانب النظام الدموي في دمشق؟ تحدث كثيرون عن عرض إيراني ضخم للجانب المصري يتمثل في دعم اقتصادي وتقني لا محدود واستعداد إيران لتزويد مصر بالخبراء والعلماء في كافة المجالات وتسيير أفواج من السياح الإيرانيين إلى مصر بهدف دعم الاقتصاد المصري المتعثر. السؤال الآخر الذي يجب طرحه هنا يتطرق إلى مدى إمكانية تحقق هذا الدعم الإيراني على أرض الواقع؟
شخصيا، أعتقد أن إيران تدفع بكامل ثقلها نحو التوغل في الداخل المصري خلال فترة «اللاستقرار» التي تشهدها الساحة المصرية حاليا، فهذه الفترة تعد فرصة ذهبية ومواتية لتحقق التوغل قبل أن تستعيد مصر توازنها وتنظم صفوفها، خاصة على مستوى الجبهة الداخلية. أما في ما يتعلق بالمساعدات التي وعدت بها إيران الحكومة المصرية الحالية، فالجميع يعلم أن الاقتصاد الإيراني يمر بأسوأ حالاته منذ الثورة في عام 1979م، وتأثير العقوبات الدولية بدأ جليا خلال الأشهر القليلة الماضية، إلا أن هذا لا يعني استحالة قدرتها على دعم الاقتصاد المصري. أرى أن طهران تستطيع توفير الدعم اللازم للاقتصاد المصري، ولكن لفترة قصيرة جدا، وسيكون ذلك بطبيعة الحال على حساب الوضع المحلي في إيران والمستوى المعيشي للمواطن الإيراني، كما أنها قد تسير بعض الأفواج السياحية إلى مصر، ولكن يبقى التوجس دائما من نوعية هؤلاء السياح وانتماءاتهم، وللتذكير فإن الحرس الثوري الإيراني يسيطر على مفاصل الاقتصاد الإيراني ولن يفوت هذه الفرصة لإرسال أعضائه تحت غطاء السياحة، خاصة ونحن نشهد حالة من الانفلات الأمني في كثير من المدن المصرية، وبالتالي سوف يسهل على أعضاء الحرس الثوري التحرك بحرية كبيرة في الداخل المصري. إضافة إلى ذلك، ستسعى إيران جاهدة خلال فترة الدعم الاقتصادي لمصر إلى تثبيت أقدامها في الداخل المصري وتشكيل خلايا نائمة وأخرى نشطة تزرعها في الوسائل الإعلامية والمؤسسات الحيوية في البلاد لتقوم بتزويدها بكافة المعلومات التي تحتاجها، وقد تسعى إلى استغلال الوضع الاقتصادي المتدهور للمواطن المصري من خلال نشر التشيع بين أفراد الطبقة الفقيرة والمتوسطة من الشعب المصري. قد يتمكن الأمن المصري من مراقبة الأفواج السياحية القادمة من إيران، خاصة إذا كانت أعدادها قليلة نسبيا، ولكنه بطبيعة الحال لن يتمكن من ذلك مع تدفق أعداد كبيرة وربما مدربة على الهروب من المراقبة والاختفاء عن الأعين سريعا.

على الجانب الآخر، يرى البعض أن مصر تسعى من وراء التقارب مع إيران إلى تسجيل نقاط إقليمية وتحقيق مكاسب على المستوى العربي، والخليجي تحديدا، من خلال التلويح بالورقة الإيرانية في حالة عدم تقديم هذه الدول الدعم الكامل للاقتصاد المصري والمساهمة في الاستقرار السياسي هناك. قد تكون هذه الرؤية صحيحة، ولكنها لعبة خطرة جدا على الداخل المصري قبل غيره. فببساطة شديدة، عندما تشرع مصر أبوابها لإيران، فإن إغلاق هذه الأبواب سيكون أكثر صعوبة وسيكون التراجع متأخرا في جميع الأحوال. إيران تدرك جيدا تردد الجانب المصري في بناء علاقة معها وقد كتب الإعلام الإيراني عن ذلك كثيرا، لذا فهي – أي إيران – ستسعى ومنذ البداية إلى ترسيخ وجودها وتوغلها في مصر تحسبا لأي تراجع أو تحفظات مصرية لاحقة أو ضغوطات عربية وخليجية على الحكومة المصرية.

هذا لا يعني أننا نبرئ الساحة الخليجية تماما، بل إن على دول الخليج دعم الاقتصاد المصري والوقوف إلى جانب الأشقاء هناك، ولكن يجب أن يدرك الجانب المصري أيضا أن هذا الدعم ليس نتيجة لتلويح القاهرة بالورقة الإيرانية، بل هو واجب ديني وقومي في المقام الأول، كما أن على دول الخليج أن تكون واضحة وصريحة جدا في هذا الجانب.

خلاصة القول، يبدو أن التقارب مع إيران سيؤثر سلبيا على العلاقة بين التيارات الإسلامية في مصر، خاصة بين جماعة الإخوان المسلمين والمجموعات السلفية التي تحظى بشعبية كبيرة بين أوساط المجتمع المصري، ولعل خير دليل على ذلك ما تعرض له منزل رئيس مكتب رعاية المصالح الإيرانية في القاهرة مؤخرا من محاولات اقتحام ورفع شعارات ضد إيران واعتراضات كبيرة على إعادة العلاقة بين القاهرة وطهران. على المستوى العربي، نجد أن مصلحة مصر، في نهاية المطاف، في ارتباطها بمحيطها العربي، فالمكاسب التي ستحققها من علاقتها مع إيران لا يمكن مقارنتها مع ما ستجنيه من ارتباطها مع الدول العربية والخليجية تحديدا، كما أن مكانة مصر في العالم العربي مهمة جدا وثقل عربي كبير، وبالتالي يشكل التوافق الخليجي – المصري مركزا استراتيجيا مؤثرا وكتلة اقتصادية وسياسية مهمة في منطقة الشرق الأوسط، وهذا ما تسعى إيران وغيرها إلى عدم تحققه، خاصة وهي ترى أن آخر حصونها في المنطقة العربية ينهار بشكل متسارع دون وجود البديل المناسب حتى اللحظة في المنطقة العربية.

المصدر: مجلة المجلة

الأحد، 24 مارس، 2013

عيد النيروز وما قبله وبعده من طقوس


سفرة النيروز

شؤون إيرانية:

بقلم: محمد السلمي


احتفل الملايين يوم الخميس الماضي بعيد النيروز، ولكن ماهذا العيد وماهي طقوسه وماهو مصدره أساساً؟ بدايةً، النيروز هي معرب كلمة “نوروز” الفارسية و يقال أيضاً إن مصدرها كردي، وهي كلمة مركبة من “نو”: بمعنى جديد، و”روز ” ويعنى يوم، فيصبح معنى الكلمتين معاً “اليوم الجديد”. يتصادف قدوم عيد النيروز مع بداية فصل الربيع ويقابل بالتاريخ الميلادي 21 آذار مارس وهو أول أيام السنة الشمسية.

هناك عدة دول وشعوب شرقية تحتفل بهذا العيد من بينها إيران، تركيا، وأفغانستان وبعض دول آسيا الوسطى والشعب الكردي، ولكل شعب طريقة معينة وتقاليد محددة بعضها التزم بكثير من الطقوس التقليدية القديمة وأخرى أعطت هذا العيد صبغة إسلامية أو بمعنى آخر، قيدته إلى حد كبير بضوابط الدين الإسلامي. سوف أركز في هذه التدوينة على عيد النيروز وعاداته في إيران على وجه الخصوص وأصل هذه الاحتفالية بين الحقيقة والأسطورة.

يذكر أن هذا العيد يرمز في أساسه للصراع بين قوى الظلام والنور، أو الفضيلة والرذيلة أو بمفهوم أكثر شمولية للصراع بين الخير والشر و ينسب بداية النيروز إلى عصور ما قبل التاريخ و تحديداً إلى العصر الأخميني بينما ينسبه البعض إلى الملك الفارسي جمشيد بن طهمورث وهو شخصية يضعه الفرس في مقابل نبي الله سليمان عليه السلام ويرون أنه كان يتمتع بنفس القدرات التي وهبها الله للنبي سليمان مثل السيطرة على الجن ونحو ذلك. في العصر التاريخي، كان عيد النيروز هو العيد الرسمي للإمبراطورية الساسانية التي سقطت مع الفتح الإسلامي وكان يحتفل بهذا العيد جميع أو على أقل تقدير معظم الشعوب التي كانت تحت حكم الإمبراطورية الفارسية بغض النظر عن الدين الذي تعتنقه تلك الشعوب وكانت الاحتفالات تستمر لمدة عشرة أيام بلياليها. 
 
على الجانب الثقافي والشعبي، من الأساطير التي يؤمن بها الإيرانيون اعتقادهم بأن أرواح أقاربهم المتوفين تعود من السماء إلى الأرض بل وتجتمع مع أهاليهم وذويهم خلال عيد النيروز. لذا يتم تجهيز الموائد بكل ما لذ وطاب لتسعد تلك الأرواح خلال تواجدها على الأرض. في هذا الصدد يتم تجهيز “سُفرة” تضم سبعة أشياء كلها تبدأ بحرف السين (تسمى بالفارسية هفت سين) والبعض يجمع العدد نفسه ولكن بأشياء تبدأ بحرف الشين (هفت شين).  أما السبعة الأشياء التي تبدأ بحرف السين (باللغة الفارسية طبعا) هي في الغالب. الخل (سركه)، التفاح (سيب)، عملة معدنية ( سكه)، الثوم (سير)، العشب أو الخضرة (سبزه)، السماق (سماق)، ونوع من الحلوى يسمى “سمنو”. أما الأشياء التي تبدأ بحرف الشين فهي: الخمر (شراب)، الشمع (شمع)، المشط (شانه)، الشال (شال)، السيف (شمشير)، نوع من الورد (شكوفه)، ونبتة القنب (شاهدانه).
إضافة إلى ذلك، يتم إضافة كتاب إلى المائدة و كان الإيرانيون قبل الإسلام يضعون الكتاب المقدس لدى المجوس (الزردشتيين) ويسمى الأوفستا، على الطاولة وسط الأشياء السبعة المذكورة آنفاً، وبعد الإسلام تم استبداله بالقرآن أو ديوان الشاعر حافظ الشيرازي . كما يتم زراعة أو شراء عشبة صغيرة غالباً تكون من بذور القمح أو العدس أو الشعير ويطلق عليها “سبزه عيد” وفي الغالب يتم زراعتها قبل العيد بخمسة وعشرين يوما ولها فلسفة وحسابات معينة انطلاقاً من بذر هذه البذور ومتى يتم وضع بذور إضافية وكيف يتم مراقبة العشبة ومقدار الماء ونحو ذلك. تحتوي سفرة النيروز أيضا على نوع من السمك وكذلك توضع مرآة إلى جانب الأصناف المذكورة أنفاً

من بين العادات المشهورة بين الإيرانيين خلال عيد النيروز ايضاً ما يعرف بـ “آبريزگان” أو اللعب بالماء وفلسفته الطهارة وللتفاؤل بهطول أمطار كافية خلال العام الجديد خاصة من قبل أهالي المناطق الزراعية والذين يعتمدون على المطر في زراعتهم بشكل كبير إلا أن هذا الاحتفال اصبح متداولا في جميع المدن وبين فئة الشباب تحديداً ويستخدم في الوقت الراهن المسدسات المائية وغالبًا يكون التنافس بين الشباب والفتيات في الحدائق العامة رغم مضايقات الشرطة الدينية وقوات البسيج لذلك في الوقت الراهن.

يذكر أن هذا العيد يسبقه ما يعرف بعيد النار (چهارشنبه سورى) ويعد احتفالا لاستقبال النيروز وإعلان قدوم الربيع وهو مهرجان شعبي يمتد من الديانية الزرادشتية القديمة حيث تقديس النار وهو لوداع آخر شمس في السنة الشمسية و يقام كما هو واضح من اسمه في آخر أربعاء من السنة الفارسية. فمنذ غروب شمس الثلاثاء يتم إشعال نيران كبيرة في مداخل الطرقات والشوارع ويقفز الشباب فوقها وهم يرددون بعض الترانيم مثل “يا نار خذي لوني الأصفر (يدل على المرض) وامنحيني لونك الأحمر (يدل على الصحة)” ويستمر ذلك حتى بزوغ شمس يوم الأربعاء.
من جانب آخر، تختتم احتفالات العيد يوم الثالث عشر بما يعرف بـ(سيزده به در) أو يوم الطبيعة وهو يوم يتشاءم من الإيرانيون ويرون أنه يوم نحس لذا يخرجون فيه من بيوتهم ويقضون أوقاتهم في الحدائق العامة أو بين أحضان الطبيعة بشكل عام كما يقومون بإلقاء حزمة من العشب في النهر أو القنوات المائية كرمز لامتزاج عنصري الحياة مع الطبيعة التي تعني السعادة والبهجة.


وختاماً، تغنى الشاعر العباسي البحتري في قصيدة له بالربيع وأورد اسم النيروز فيها فقال:
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا ….من الحسن حتى كاد أن يتكلم.
وقد نبه النيروز في غسق الدجى ….أوائل وردكن بالأمس نوما.
يفتقها برد الندى فكأنه ….يبث حديثا كان قبل مكتما.
فمن شجر رد الربيع لباسه …عليه كما نشرت وشيا منمما.
أحل فأبدى للعيون بشاشة ….وكان قذى للعين إذ كان محرما .
ورق نسيم الريح حتى حسبته …يجيء بأنفاس الأحبة نعما.


المصدر: مجلة المجلة

الأحد، 10 مارس، 2013

شافيز يقضي على أحمدي نجاد




شؤون إيرانية

محمد السلمي


وقع الرئيس الايراني خلال اليومين الماضيين في ثلاثة أخطاء تعتبر قاتلة في إطار السياسية الإيرانية وأديولوجياتها وجميعها متعلقة برحيل الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز.
أما الخطأ الأول فجاء في برقية التعزية التي بعث بها إلى نائب الرئيس الفنزويلي حيث وصف الرئيس الراحل بالمؤمن الذي انضم إلى كوكبة الشهداء وسيكون برفقة السيد المسيح في جنان الخلد وأضاف بأنه سيعود إلى هذا العالم برفقة السيد المسيح والإمام المهدي الغائب. برقية التعزية هذه وما اشتملت عليه من أوصاف للرئيس شافيز وربطه بالإمام الغائب واجهت انتقادات حادة من قبل رجال الدين في ايران حيث رأوا أن أحمدي نجاد وضع شافيز في مقام الأئمة والصالحين وفي ذلك، من وجهت نظرهم، إساءة للإسلام والمذهب الشيعي على وجه التحديد.


وفي هذا الاتجاه فقد روجت بعض المواقع الإيرانية لشائعة تحدثت عن اعتناق شافيز للدين الإسلامي على يد الرئيس الايراني وذلك خلال زيارته لإيران في رمضان من عام 2009 وتخلل الرحلة هذه زيارة ضريح الإمام الرضا في مدينة مشهد شرق ايران

أما الخطأ الثاني الذي ارتكبه نجاد وحكومته خلال اليومين الماضيين فيتمثل في إعلان الحداد في عموم ايران و لمدة يوم كامل تعبيرا عن الحزن العميق على وفاة الرئيس الفنزويلي. إعلان الحداد هذا واجه عاصفة من الانتقادات ليس من قبل التيارات السياسية المحافظة فحسب بل وحتى في أوساط المجتمع الايراني وظهر ذلك جليا في مواقع التواصل الاجتماعي.
تركزت هذه الانتقادات على تجاهل أحمدي نجاد لضحايا الزلازل التي ضربت إقليم أذربيجان الايراني وراح ضحيتها العشرات وتشرد الآلاف من أبناء الشعب الايراني. إلا أن نجاد لم يقم بزيارة ميدانية للإقليم المنكوب ولم يتفقد أوضاع المنكوبين ناهيك عن عدم التفكير في إعلان الحداد على أرواح هؤلاء المواطنين.
وقد صادف وقوع إحدى هذه الهزات موعد سفر احمدي نجاد إلى الخارج إلا أن نجاد غادر ايران وكان الأجدر به إلغاء الزيارة والتوجه إلى المناطق المنكوبة، وفقاً لما يراه المنتقدون لنجاد.

 
الضربة القاضية وخطأ أحمدي نجاد الثالث حدث في العاصمة الفنزويلية كراكاس أثناء مراسم توديع جثمان شافيز. فقد أظهرت مقاطع فيديو تم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، نجاد وهو يقبل ثابوت جثمان شافيز وقد امتلأت عيناه بالدموع. ولكن الخطأ الأكبر كشفت عنه صورة تظهر رئيس الجمهورية الاسلامية في ايران وهو ممسك بيد والدة الرئيس الفنزويلي الراحل وقد وضعت رأسها على صدره وهي في حالة بكاء شديدة بينما ظهر نجاد باكياً أيضاً.
هنا ظهر التناقض الكبير بين الحدث الذي التقطته عدسات المصورين و الشخصية التي عرف بها نجاد وكافة ساسة إيران المتمثلة في عدم مصافحة النساء ولعل آخرها رفض نجاد ذاته مصافحة رئيسة الوفد البوسني في قمة التعاون الإسلامي التي احتضنتها القاهرة مؤخراً.


اكتب هذه الأسطر وأنا لم أتصفح بعد المواقع الإعلامية والصحف في ايران لهذا اليوم ولكن من المؤكد أن هذا الحدث سيكون وجبة دسمة وصيدا ثمينا للفصائل السياسية المنافسة لتيار أحمدي نجاد وقد يتعدى ذلك إلى ردة فعل من قبل المرشد الأعلى علي خامنئي شخصياً ومن المؤكد أن يؤدي ذلك إلى نهاية حقيقية لمستقبل نجاد السياسي.
وإن كان قد تم تداول سابقا شائعة تحدثت عن احتمال مواجهة الرئيس الإيراني الحالي قرارا من المرشد الأعلى يتمثل في عزله من منصبه بسبب عدم الكفاءة السياسية على غرار ما حدث لأول رئيس جمهورية في إيران بعد الثورة أبو الحسن بني صدر الذي عزله الخميني في عام 1981، فإن ذلك اصبح الآن أكثر قبولاً وأقرب حدوثاً بعد هذه الأخطاء الثلاثة التي ارتكبها أحمدي نجاد خلال أقل من يومين.

سبق وأن كتبت عن احتمالية تقديم أحمدي نجاد ككبش فداء باعتباره سبباً رئيسا في تشويه صورة النظام الايراني في الداخل والخارج وبالتالي محاولة لإخراج إيران من العزلة السياسية التي تعيشها والمشاكل الاقتصادية التي تواجهها بسبب العقوبات الغربية المفروضة على البلاد.
الفرصة الآن مواتية جداً وقد يضغط التيار المحافظ في إيران على خامنئي لاتخاذ هذا القرار قبل موعد الانتخابات الرئاسية خلال الصيف القادم.


ختاماً، خامنئي قد يقبل بهذا الاقتراح ولكنه يدرك جيداً أن أحمدي نجاد لن يقف مكتوف الأيدي وقد يفتح ملفات ويكشف عن فضائح قد تطال المرشد شخصياً ناهيك عن التيار المحافظ بشكل عام، لكن يبقى السؤال حول كيفية تفادي ردة فعل أحمدي نجاد أو تحجيمها هو المعضلة الكبرى حتى اللحظة.

المصدر: مجلة المجلة