تويتر

السبت، 28 يونيو، 2014

بعد عام من انتخابه... روحاني في الميزان



شؤون إيرانية
بقلم: محمد السلمي
المصدر: الشرق الأوسط

تعيش إيران هذه الأيام الذكرى الأولى لفوز الدكتور حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية وعودة التيار «المعتدل/ الإصلاحي» إلى منصب رئيس الجمهورية بعد ثمانية أعوام من سيطرة التيار المحافظ على المنصب ممثلا في محمود أحمدي نجاد. من المؤكد أن روحاني سعيد بـ«الإنجازات» التي حققها خلال السنة الأولى لرئاسته؛ فقد أخرج إيران من عزلة سياسية وصعوبات اقتصادية بسبب المخاوف من برنامج إيران النووي وطموحاتها في إنتاج أسلحة الدمار الشامل، فلقد كان لاتفاق جنيف في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013 بين إيران ومجموعة 5+1، الأثر الكبير في خروج إيران – مؤقتا - من عنق الزجاجة سياسيا واقتصاديا، فتم انفتاح إيران سياسيا على العالم كما تم الإفراج عن بعض أموال إيران المجمدة بسبب العقوبات الاقتصادية وعادت (أو أعلنت عن رغبتها في العودة) بعض الشركات الدولية إلى الأسواق الإيرانية. ولكن ماذا عن الوجه الآخر للعملة «الروحانية» وماذا قدمت لكسب الثقة في داخل إيران وخارجها؟

على الصعيد الخارجي، استمرت سياسة إيران القائمة على التدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار العربي. كان البعض قد استبشر خيرا بقدوم رئيس محسوب على التيار المعتدل في إيران وتوقع هؤلاء أن تعيد طهران النظر في سياساتها هذه خاصة أن روحاني يرفع شعار الانفتاح على المنطقة وإعادة بناء الثقة بين إيران ودول الجوار العربي تحديدا. إن استمرار طهران في هذا النهج والتركيز على الجانب الإعلامي والاكتفاء بإطلاق التصريحات والخطب المنمقة دون أخذ خطوات حقيقية وملموسة على الأرض تقنع الجوار العربي بأن إيران قد تغيرت فعلا بعد وصول روحاني إلى مقعد الرئاسة أصاب المتفائلين بإيران جديدة – كما تم الترويج لذلك إقليميا ودوليا - بخيبة أمل شديدة ورسخ مفهوم أن تغير الوجه الرئاسي في إيران لا يعني الكثير خاصة فيما يتعلق بالتوجهات السياسية لإيران بقيادة ولي الفقيه.

على الصعيد الداخلي، نلحظ ارتفاع وتيرة الصراع بين المحافظين والإصلاحيين خلال الأشهر القليلة الماضية، وإن حاول النظام الإيراني تعمد إخفاء ذلك. ظهر خلاف بين الحكومة برئاسة روحاني والحرس الثوري وقد عبر روحاني عن انزعاجه من تدخل بعض المؤسسات العسكرية – ويعني الحرس الثوري تحديدا - في الجوانب الاقتصادية والسياسية في البلاد وطالبهم بالعودة إلى ثكناتهم العسكرية والتركيز على المهام المنوطة بهم. من المعلوم أن الحرس الثوري استثمر مسألة العقوبات ليسيطر بشكل كبير على مفاصل الاقتصاد الإيراني مما جعل منه قوة سياسية تشكل تحديا حقيقيا في وجه رئيس الجمهورية خاصة في ظل سياسة الانفتاح على الخارج التي ينتهجها روحاني، الأمر الذي يتعارض ومصالح الحرس الثوري الاقتصادية والسياسية. ولقد استعرض الحرس الثوري قوته من خلال تسجيل مسرب لقائد الحرس الثوري الإيراني، اللواء محمد علي جعفري، خلال إلقاء كلمة في اجتماع لكبار قيادات الحرس الثوري بعد قمع الاحتجاجات عام 2009 وفوز نجاد بولاية ثانية يؤكد تدخل الحرس الثوري في نتائج الانتخابات لصالح نجاد ضد التيار الإصلاحي، ويرى البعض أن هذه رسالة تحذيرية للحكومة الحالية تقول إن الحرس الثوري قد يفعلها مجددا متى ما اضطر إلى ذلك.
تصريحات الرئيس روحاني التي انتقد فيها المدرسة المتشددة وحثها على «الامتناع عن التدخل كثيرا في حياة الناس الذين لا يمكن ترهيبهم بالسياط لدخول الجنة، بل يختارون طريقهم إلى السماء» مثال آخر على الصراع القائم بين التيارين المعتدل والمحافظ، أثارت هذه التصريحات حفيظة رموز التيار المحافظ وعلى رأسهم المرشد الأعلى حيث علق على تصريحات روحاني بأنها سياسة استسلام للغرب وواصفا مروجي «ثقافة الاستسلام أمام الاستكبار» بـ«الخونة»، على حد تعبيره. كما علق خطيب الجمعة في طهران أحمد خاتمي على تصريحات روحاني أيضا واعتبرها «أوهاما».
من الخطوات التي قام التيار المحافظ باتخاذها في معركته ضد المعتدلين إيقاف ثلاث صحف محلية محسوبة على الإصلاحيين عن النشر وقد تم هذا الإيقاف خلال أقل من ثلاثة أشهر، هذه الصحف هي «آسمان»، «ابتكار» و«قانون».
كذلك استمرت حكومة روحاني على نهج الحكومات الإيرانية السابقة فيما يتعلق بتهميش الأقليات العرقية والدينية في إيران رغم الوعود التي قطعها روحاني على نفسه خلال حملته الانتخابية، مما قاد نسبة عالية من هذه الأقليات للتصويت له خلال الانتخابات، وقد قام روحاني بتعيين نائب له لشؤون الأقليات إلا أن الواقع على الأرض لم يتغير مطلقا واستمرت سياسة التهميش لأبناء هذه الأقليات.
على المستوى الاقتصادي، استمرت معاناة المواطن الإيراني اقتصاديا؛ فالأسعار لا تزال جنونية وتم رفع أسعار الوقود ونسب التضخم لا تزال مرتفعة، كما أن نسب البطالة لا تزال مرتفعة جدا وفي المقابل لم يرتفع دخل المواطن بمعدل يتناسب والوضع القائم، الأمر الذي أثقل كاهل المواطن الإيراني دون أي بوادر حقيقية لتحسين مستواه المعيشي.
وأخيرا، استبشر الشباب الإيراني بقدوم رئيس معتدل خيرا، وتوقعوا رفع الكثير من القيود المفروضة عليهم، إلا أن الوضع انحدر من سيئ إلى أسوأ، فتم حجب «الإنستغرام» إضافة إلى استمرار حجب مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى مثل «يوتيوب» و«فيسبوك» و«تويتر» خاصة أن أهم شخصيتين في الحكومة الإيرانية الحالية، رئيس الجمهورية ووزير الخارجية، يستخدمان «تويتر» و«فيسبوك» (وإن كان من خلال استخدام بروكسيات لتجاوز الحجب) للتواصل مع الداخل والخارج.
ختاما، بالنظر لكل الجوانب، على المستوى الداخلي والخارجي، وتقييم الوضع العام منذ وصول روحاني لمنصب رئيس الجمهورية حتى الآن نجد أن هناك تقدما نسبيا على المستوى الخارجي وتراجعا كبيرا فيما يتعلق بالأوضاع في الداخل، أي أن حكومة روحاني اتجهت إلى تحسين وجه إيران خارجيا على حساب حقوق المجتمع الإيراني بكافة شرائحه، الأمر الذي يعيد إلى الأذهان التجربة الإصلاحية السابقة في عهد الرئيس الأسبق محمد خاتمي.


سایکس بیکو على الطريقة الإيرانية



شؤون إيرانية
بقلم: محمد السلمي
المصدر: مجلة المجلة

مع التطورات المتلاحقة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط خاصة بعد الأوضاع الراهنة على الساحة العراقية، شعرت إيران، ربما، بشيء من امتداد هذا اللهيب إلى داخل حدودها، خاصة وأن النظام الإيراني دخل تجربة هذه التحركات مبكرًا -وإن كانت أقل حدَّة مما شهدته المنطقة العربية- في عام 2009م بعد نتائج الانتخابات الرئاسية التي أعادت ترشيح الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد لولاية ثانية.

إيران تبدو أكثر تماسكًا حتى الآن رغم تركيبتها الفسيفسائية عرقيًّا ودينيًّا ومذهبيًّا وثقافيًّا. تحاول إيران دائمًا إخفاء الغليان الذي يعيشه المجتمع الإيراني بمختلف شرائحه، وتسعى في الغالب، إلى القيام بخطوات “استباقية” ووأد الخطر في مهده قبل أن ينمو ويتوسع ويصبح بمثابة كرة ثلج يزداد حجمها كلما تدحرجت.

مؤخرًا، أعلن “جواد ناصريان” -مساعد وزير الداخلية الإيراني لشؤون التنمية والموارد البشرية- عن تقسيم البلاد إلى خمس مناطق بدلاً من إحدى وثلاثين محافظة. هذا التقسيم -ووفقًا للمسئول ذاته- يستهدف تبادل الخبرات وإقامة اجتماعات مشتركة. بداية لنلقي نظرة على المناطق الخمس التي تم الإعلان عنها:

المنطقة الأولى: تشمل محافظات طهران، قزوين، مازندران، سمنان، كلستان، البرز، وقم.
المنطقة الثانية: تشمل محافظات أصفهان، فارس، بوشهر، تشهار محل بختياري، هرمزجان، وكهكيلوية، وبوير أحمد.
المنطقة الثالثة: تشمل محافظات أذربيجان الشرقية، أذربيجان الغربية، أردبيل، زنجان، جيلان، وكردستان.
المنطقة الرابعة: تشمل محافظات كرمانشاه، إيلام، لرستان، همدان، مركزي وخوزستان (عربستان).
المنطقة الخامسة: تشمل محافظات خراسان رضوي، خراسان جنوبي، خراسان شمالي، كرمان، يزد وسيستان، وبلوشستان.


ربما يعتقد البعض أن هذا الإجراء مجرد تنظيم إداري وتنموي بحت، أو إعادة إحياء لتقسيم يعود تاريخه إلى أكثر من قرن من الزمان، من حقبة الدولة القاجارية وخلال الثورة الدستورية تحديدًا (1905-19011م) عندما كانت إيران تقسم إلى أربع ولايات هي: (أذربيجان، فارس، خراسان، وكرمان) وذلك قبل أن يتم احتلال الأحواز لاحقًا في العصر البهلوي، ولكن عند التدقيق في طريقة التقسيم هذه يظهر جليًّا أن الأمر أبعد من تبادل الخبرات والاجتماعات أو الحنين إلى التقسيم القديم، إلى محاولة طمس المحافظات التي تحمل أسماؤها دلالات عرقية، أو ذات الأغلبية العرقية، مثل عربستان، كردستان، أذربيجان وغيرها، والتي يساورها دائمًا هاجس الانفصال عن الحكومة المركزية في طهران.

كما هو المتوقع فقد قامت طهران بخطوات سريعة بعد إعلان هذا التقسيم، حيث أطلقت أسماء “طهران، أصفهان، كرمانشاه، خراسان الرضوي، وأذربيجان الشرقية “كمسميات جديدة لهذه المناطق، وبالتالي دمج المحافظات القائمة مع بعضها البعض، واختيار عواصم جديدة لهذه المناطق، ومن المؤكد أنها -أي أسماء العواصم- لن تكون من المحافظات والمدن ذات البعد العرقي، وستجد الحكومة مبررات لذلك من أهمها ضرورة أن تكون العاصمة لهذه المدن في موقع يتوسط المنطقة، أي في قلب خارطة إيران، وبالتالي ينتفي تواجد المدن ذات البعد العرقي كون الأقليات العرقية –غير الفارسية طبعًا- تمتد في المناطق الحدودية.

انظروا إلى الخريطة الجديدة (أعلاه) بتمعن، سيلاحظ القارئ أن التقسيم جاء رأسيًّا (طوليًّا)، من الشمال إلى الجنوب، وبالتالي تصبح منطقة ما يعرف بهضبة إيران (الوسط) قاسمًا مشتركًا في جميع هذه المناطق، وبناءً على ذلك ستكون العاصمة المرشحة مدينة ذات غالبية فارسية ما عدا -ربما- المنطقة الثالثة ذات الأغلبية الآذرية.
 
ما يثبت هذه الفرضية تحرك بعض أعضاء البرلمان ضد هذا التقسيم، فبعد يوم واحد من إعلانه، اعترض ستون من أعضاء البرلمان الإيراني على ذلك، واعتبروا ذلك أمرًا قد يثير الكثير من الخلافات، ويتسبَّب في احتقان في المجتمع الإيراني مما قد ينجم عنه مشكلات كثيرة، كما أن هذا القرار لم يأخذ في الحسبان الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمع، كما أنه إجراء غير قانوني أيضًا. فكيف سيكون هناك أحتقان في المجتمع وبروز لمشكلات ليست في الحسبان إذا كان الأمر ينحصر في تبادل الخبرات فقط؟

من الشواهد الأخرى التي تجعل هذه الفرضية أقرب إلى الحقيقة قيام النظام الإيراني -قبل عام تقريبًا- بمحاولة مماثلة ولكن تم إجهاضها. تم الإعلان آنذاك عن خطة تقسيم جديد للمحافظات، واقتطاع أجزاء من بعض هذه المحافظات وضمها إلى أخرى خاصة في المناطق الجنوبية والجنوبية الغربية، وكان هناك خطة لمد إقليم فارس (في الوسط) ليصبح له منفذ بحري على الخليج العربي من خلال اقتطاع مدن وقرى من محافظتي هرمزجان وبوشهر. واجهت هذه الخطة اعتراضات واسعة من قبل أهالي الإقليمين الأخيرين، واللذين يقطنهما إما أقليات عرقية، خاصة العرب، أو أقلية مذهبية، كالسنَّة الذين يشكلون الأغلبية في محافظة هرمزجان.

وبعد أن فشل هذا المخطط تم تقديم المخطط ذاته مجددًا ولكن بثوب جديد يتمثل في تقسيم كافة البلاد حتى يتم إبعاد الشبهة عن مخطط يستهدف الأقليات العرقية والمذهبية في إيران، ويطمس هويتها من خلال مشروع تغيير لتغيير التركيبة الديمغرافية في بعض المحافظات. هذا المخطط ليس مبتكرًا أو حصرًا على الجمهورية الإسلامية، بل إرث انتقل من النظام الشاهنشاهي القومي إلى النظام الحالي. في ثلاثينيات القرن الماضي اقترح القوميون الفرس على شاه إيران آنذاك، رضا بهلوي، القيام بترحيل بعض العائلات من المناطق الحدودية؛ حيث الأقليات العرقية، إلى المناطق الوسطى لكي يتعلموا اللغة الفارسية، وتصبح اللغة الأم للجيل الجديد، كما تم اقتراح نقل عائلات فارسية من مناطقهم إلى المناطق الحدودية لنشر اللغة والثقافة الفارسية، كما تم اقتراح بيع الصحف والمجلات الفارسية في تلك المناطق بأسعار أقل منها في طهران بهدف “فرسنة” تلك المجتمعات.
 
يبدو أن هذا المشروع لايزال قائمًا، والمحاولات مستمرة وإن ظهرت بأنماط مختلفة بين الفينة والأخرى، وجميعها يصب في هدف واحد، وهو الحيلولة دون مطالبات المناطق ذات الأقليات العرقية بالاستقلال. كان من الأجدر بالحكومة المركزية في طهران أن تغيِّر من طريقة تعاملها مع هذه الأقليات، فبدلاً من التهميش والحرمان الاقتصادي والثقافي واللغوي والمذهبي والتنموي والتعليمي، تتجه إلى إرساء العدالة الاجتماعية، والمساواة بين كافة مكونات المجتمع الإيراني بعرقياته وأديانه ومذاهبه المختلفة، والالتفات إلى مناطق الأقليات العرقية والمذهبية، ومعالجة الفقر والحرمان الذي تعاني منه تلك المناطق، وهو بالمناسبة الأعلى على مستوى البلاد خاصة في مناطق الأحواز وسيستان وبلوشستان، وفقًا لتقارير إيرانية رسمية، بدلاً من التفكير في مخططات تسعى إلى إذابة هذه الأقليات، وإجبارها على ثقافة عرق واحد -العرق الفارسي- والذي لا يشكِّل أكثر من 50% من مكونات المجتمع الإيراني بأطيافه العربية والكردية والآذرية التركية، والتركمانية والبلوشية واللورية ومذاهبه وأديانه الشيعية الاثناعشرية والإسماعيلية والسنية واليهودية والمسيحية والزرادشتية (المجوسية) والشيخية والبهائية.

الاثنين، 12 مايو، 2014

فيديو: إيران والجماعات الحوثية


شؤون إيرانية

مداخلة د. محمد السلمي، على قناة العربية حول الجماعات الحوثية ودور إيران في اليمن وأهداف طهران من التدخل في الشأن اليمني والسعودي

 

الاثنين، 21 أبريل، 2014

العربي في الفكر الإيراني الحديث


شؤون إيرانية

مركز حمد الجاسر الثقافي
محاضرة "العربي في الفكر الإيراني الحديث"
المحاضر: د. محمد بن صقر السلمي
إدارة: د. عبد الله الشمري


http://www.youtube.com/watch?v=exo7ttDq7vA

 

الأربعاء، 16 أبريل، 2014

فرص لنشوء تحالف إقليمي عربي لمواجهة المشروع التوسّعي الإيراني


شؤون إيرانية
بقلم: محمد السلمي
المصدر: الشرق الأوسط

بطبيعة الحال تظل هناك فرص كبيرة لبروز تحالف إقليمي عربي لمواجهة المشروع التوسّعي الإيراني في المنطقة العربية، إلا أن هذا التحالف يواجه عدة تحديات حقيقية تحتاج إلى عمل دبلوماسي كبير قبل تكوين أسس هذا التحالف واستراتيجياته.
 
ندرك جيدا أن التقلبات التي تعصف بالمنطقة العربية تقف حجر عثرة في طريق بناء وحدة عربية في مواجهة المشروع التوسعي الإيراني، كما أن الانقسامات العربية - العربية تؤجل دائما العمل العربي المشترك في مواجهات التحديات الإقليمية والدولية. الأمر الأكثر تعقيدا في أعقاب الانفتاح الغربي على إيران بعد الاتفاق النووي المبدئي بين القوى العظمى وإيران يكمن في انفتاح دول عربية على إيران، هذا الانفتاح يدفع تصفية حسابات إقليمية والانتصار لمسائل حزبية بحتة، في ظل تجاهل تام لهذا الانفتاح «المتسرع والعاطفي»، في مقابل تهديدات المشروع الاستراتيجي الإيراني في المنطقة.
 
الواقع أن أحد أهم أسس المشروع التوسّعي الإيراني في المنطقة يكمن في العمل على محورين رئيسين؛ أولهما مشروع يركز على تفتيت أي تكتلات قد تقف في وجه هذا المشروع أو تؤدي إلى تأجيله، ويتحقق ذلك من خلال تسليط الضوء على الخلافات بين أعضاء مثل هذه التكتلات وتضخيمها والعمل على الحيلولة دون حلها. أما ثانيهما فيعتمد، من جانب، على توطيد العلاقات الثنائية بعيدا عن أي تكتلات سياسية، ومن جانب آخر «شيطنة» الدول التي على علاقة مضطربة مع هذه الدولة والسعي إلى تعميق هذه الخلافات.
 
إن الإشكالية الكبرى التي كانت، ولا تزال، تواجهها دول المنطقة العربية في مقابل المشروع الإيراني تعدّ غياب مشروع عربي حقيقي لمواجهة الأطماع والتوغّلات الإيرانية في الداخل العربي، تارة تحت غطاء مذهبي، كمزاعم الدفاع عن الأقليات الشيعية في العالم العربي، وطورا تحت راية إسلامية ترفع الورقة الفلسطينية.. بينما الهدف الحقيقي تسجيل مكاسب سياسية، وتشكيل قاعدة شعبية، وبناء خلايا نائمة وأذرع عسكرية موالية لطهران في الدول العربية.. في ظل ضعف وشتات عربيين.
 
من أجل تحقيق تحالف عربي صلب يواجه المشروع الإيراني في المنطقة ينبغي على الدول العربية العمل على مستويين رئيسين: الأول، فردي بحيث تقوم كل دولة على حدة بسدّ جميع الثغرات التي أدت إلى وجود إيراني حالي، أو تسمح بتسرّب مستقبلي إلى الداخل العربي والعمل على تقوية الجبهة الداخلية وتعزيز الوحدة الوطنية على كل الأصعدة السياسية والثقافية والاجتماعية. أما المستوى الثاني، فيأتي نتاجا للمستوى الأول، ويتبنى فكرة العمل الجماعي والتحرّك كفريق متكامل ومتجانس بهدف إفشال المشروع الإيراني وتحجيمه، وبالتالي تحويله من حالة الهجوم إلى حالة الدفاع والانكفاء على الداخل لمواجهة الاستحقاقات المحلية التي ظل النظام الإيراني يتهرّب منها طيلة العقود الثلاثة الماضية.
 
من جانب آخر، تحتاج الدول العربية إلى إعادة النظر في سياسة تعاملها مع إيران، ومجابهتها وفقا لنمط يتوافق ومنهجية تفكير الشخصية الفارسية، خاصة عندما يكون الحديث عن الآخر العربي في الفكر الإيراني. ولتبسيط هذه النقطة، ينبغي أن ندرك جيدا كيف تنظر الشخصية الفارسية إلى الدول والحكومات العربية، وإيمان هذه الشخصية الراسخ بأن العرب غير قادرين على مواجهة إيران، وغير مؤهلين لذلك، وأن إيران التي يمتد تاريخها لأكثر من 2500 سنة وما حققته من حضارة وثقافة هي المؤهلة لتصبح - من وجهة النظر الإيرانية - قوة إقليمية ضاربة لا يمكن لدول حديثة الإنشاء أو الاستقلال مواجهتها أو الوقوف في وجه مشاريعها في المنطقة.
 
ولقد دعم هذا الفكر القومي الفارسي، القديم والمتجدّد، إيمان رجل الدين السياسي، الذي يتولى زمام الأمور في إيران، بعد انتصار ثورة 1979م، بعناصر جديدة أصبحت القاعدة الأساسية لبناء النظام الجديد. واليوم يتمحور هذا النظام بصبغته الدينية حول تراث المذهب الشيعي بنسخته الإيرانية، وهو بدوره يؤمن بأدبيات الفقه الإمامي الاثني عشري وبنظام «ولاية الفقيه» ومشروع تشكيل «الدولة المهدوية» مقدمة ذلك وأسس تحققه، ويضع إيران في مواجهة مباشرة مع دول الجوار العربي.
 
بعبارة أكثر وضوحا، يؤمن ساسة إيران بأن صمت الدول العربية في مقابل تجاوزات طهران وتدخّلاتها المتكرّرة في شؤونها الداخلية، بل وحتى الاعتراضات الدبلوماسية العربية الخجولة أحيانا، ناجمة عن عجز هذه الدول عن المواجهة، مما يمنح الساسة الإيرانيين حالة من الشعور بالغرور الطاووسي، ومن ثم التمادي في تدخلاتهم وتوغلاتهم في الداخل العربي.
 
لذا فإنه أصبح من الضرورة بمكان البدء في تشكيل تحالف عربي يوقف المشروع التوسعي الإيراني في المنطقة، ويضع حدا لدعم طهران لمثيري الشغب والقلاقل في المنطقة، الذي يصب في نهاية المطاف في خدمة المشروع الإيراني، حتى وإن ظهر ذلك بنكهة طائفية وصراع مذهبي، بينما هو في واقع الأمر مشروع سياسي بحت امتطى جواد الطائفية بسبب غياب أي عنصر آخر في الداخل العربي قد يساعد على إنجاح المشروع التوسعي ويحقق أهدافه واستراتيجياته.