تويتر

الاثنين، 2 مارس، 2015

تساؤلات تكشف وهم الدعم الإيراني لليمن



شؤون إيرانية

بقلم: د. محمد السلمي
المصدر: صحيفة مكة



بدأ المشهد السياسي في الجارة الشقيقة اليمن يتخذ مساراً مختلفاً عمّا شهدناه خلال الستة أشهر الماضية، التي اتسمت بضغط الحركة الحوثية بقوة البندقية على الحكومة في صنعاء أدى في نهاية المطاف إلى انقلاب عسكري كامل الأركان على الشرعية والدستورية في البلاد، منفذة بذلك رغبة قوى إقليمية للمزيد من الفوضى في الداخل العربي بهدف تحقيق مكاسب سياسية وجيوسياسية في المنطقة وفي مفاوضاتها مع القوى العظمى في العالم.

تساؤلات تكشف وهم الدعم الإيراني لليمن:

بداية دعونا نطرح عدة تساؤلات على كل جهة أو حزب يمني تورط في محاولة إنجاح المخطط الإيراني في اليمن وما يمكن أن تقدمه طهران لليمن واليمنيين. هل ستقدم مشاريع تنموية. هل ستحل البطالة والفقر الذي يعاني منه الشعب اليمني؟ هل ستعوض العجز الهائل في ميزانية الدولة إذا ما قررت دول الخليج إيقاف معوناتها الاقتصادية والمالية وسحبت استثماراتها في اليمن؟ هل ستستوعب إيران العمالة اليمنية إذا ما قررت دول الخليج يوماً إبعاد كافة اليمنيين عن أراضيها كما حدث خلال الاجتياح العراقي للكويت؟ الأهم، على الشارع اليمني أن ينظر إلى الدول العربية التي توغلت إيران في شؤونها الداخلية ويتمعن في الحال الذي وصلت إليه تلك الدول. في الوقت الراهن هناك ثلاث دول رئيسة، فلدينا النموذج اللبناني، والسوري والعراقي. هل حققت إيران أي انجاز ثقافي أو تنموي أو سياسي في أي من هذه الدول الثلاث يحفز الشارع اليمني نحو الطموح بتحققه على الساحة اليمنية؟ بل هل شهدت هذه الدول أي حالة من الاستقرار السياسي أو الأمني أو مستوى معيشي يستحق الإشادة والشعور بالغبطة؟

الإجابة على جميع الأسئلة السابقة ستكون بالنفي دون أي تردد أو تفكير عميق. على العكس من ذلك تماماً، فإيران تعاني من مشاكل اقتصادية كبيرة قبل انخفاض أسعار النفط وتضاعفت بعد ذلك وها هي تقاتل من أجل انقاذ البلاد من الانهيار اقتصادياً. لا يمكن أن تقدم إيران معونات مالية لليمن كما أنها لن تقوم بمشاريع تنموية أو اقتصادية تعود بالنفع على المواطن اليمني. ولن تحل البطالة والفقر في المجتمع اليمني لأنها لم تنجح في معالجة ذلك محلياً، فالشباب الإيراني يعاني من البطالة وأصبح يبحث عن أي فرصة للهجرة إلى الشرق أو الغرب، ومن بقي في الداخل اتجه كثيرون منهم إلى المخدرات للهروب من الواقع المؤلم والاحصائيات الصادرة من الداخل الإيراني تؤكد على ذلك صراحة. إيران قد تجعل من اليمن رئة اقتصادية، حتى وإن كانت صغيرة جداً، تصدر إليها منتجاتها ذات الجودة الرديئة جداً كما فعلت مع العراق وسوريا واسألوا العراقيين عن ذلك فلديهم الخبر اليقين. تلك النماذج الثلاثة تعاني الأمرّين من امتداد اليد الإيرانية إليها، وعملت طهران على ابعادها عن عمقها العربي دون أي بدائل مشجعة وفي ذلك عبرة ودرس لأهلنا في اليمن.

الدعم الخليجي لليمن

في المقابل، اقتصادياً، علاوة على الودائع الخليجية للحفاظ على استقرار العملة والصرف، نجد أن دول الخليج العربي هي الداعم الأكبر لليمن. فقرابة 70% من المعونات الخارجية لليمن قادمة من دول الخليج بشكل عام، والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، كما أن هذه الدول تؤمن قرابة 60% من الميزانية العامة للحكومة اليمنية في جانبها التشغيلي فقط. علاوة على ذلك، هناك معونات خليجية رأسمالية كبيرة تدعم المشاريع التنموية في البلاد إضافة استثمارات خليجية ضخمة في اليمن، تؤمن فرص عمل جيدة للشباب اليمني، وكما يقال "رأس المال جبان" فمن المتوقع أن يقوم هؤلاء المستثمرين بإيقاف جميع هذه الاستثمارات إذا ما انزلقت البلاد نحو ما يعرف بـ"الدولة الفاشلة" أو سيطر الحوثي على كافة مفاصل البلاد، وقد بدأ بعض هؤلاء المستثمرين بالفعل بسحب استثماراتهم من هناك.

كذلك هناك أكثر من ثلاثة ملايين من الأشقاء اليمنيين يعملون في دول الخليج علاوة على أولئك الذين يدخلون إلى هذه الدول بصورة غير نظامية، وتخيلوا حجم ما يقوم بضخه هؤلاء في الاقتصاد اليمني وحجم العائلات اليمنية التي تعيش على حوالات تلك العمالة في هذه الدول. الأهم من ذلك، كثير من الأخوة الأشقاء اليمنيين الذين يعيشون في دول الخليج يمارسون التجارة ولديهم نشاطات تجارية خاصة بهم فتخيلوا معي حجم الضرر الذي سيلحق بهم إن حدث أي مستجدات تستوجب-لا قدر الله-ترحيلهم من هذه الدول على العلم أنه من غير الحصافة في الرأي معاقبة هذه الشريحة من الشعب اليمني على شيء ليس لهم دوراً فيه.

على الجانب الاجتماعي والسياسي، الوشائج بين أبناء الجزيرة العربية أكبر من أن نستعرضها هنا، خاصة بين اليمنيين والمناطق الحدودية في جنوب المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان. اليمن تشكل ثقل بشري وسياسي لدول شبه الجزيرة العربية، ومصير شعوب هذه الدول واحد في نهاية المطاف، والترابط الثقافي والاجتماعي والديني بين شعوب هذه الدول يجعلها تنبذ أي تدخل خارجي يحاول الإيقاع بين هذه الدول أو الانفراد بدولة عن بقية المنظومة خدمة لمشاريع سياسية وتوسعية في المنطقة في المقام الأول.

 

من هنا، على الشعب اليمني أن يقول كلمته وينتصر لعروبته ويحقق الحكمة اليمانية على أرض الواقع ويرفع شعار رفض الانقلاب الحوثي الموجه من قبل طهران ويقود اليمن نحو نفق مظلم لا أحد يعلم متى وكيف ستخرج منه وما هو الثمن الذي ستقدمه ويقدمه الشعب اليمني الشقيق في مقابل ذلك. لا يجب أن يتوهم زعماء الحركة الحوثية أنهم قادرون على الانفراد بالسلطة في اليمن والتاريخ يؤكد أن مكوناً واحداً لم يستطع يوماً حكم اليمن بمفرده، بل أن الحل الأمثل والأقرب للعقل والمنطق هو حكومة شراكة وطنية تمثل كافة أطياف المجتمع اليمني ومكوناته بما في ذلك الحوثيين. ولا شك أن المجتمع الحوثي مكون مهم من مكونات المجتمع اليمني وله حقوق المواطنة كاملة غير منقوصة ولكن أن يحاول فرض سياسة الأمر الواقع بقوة البندقية فهذا لا يتوافق مطلقا مع طبيعة المجتمع اليمني وتاريخه وعلى الحركة الحوثية أن تخرج من العباءة الخارجية وتنظر إلى الواقع من منظور أكثر واقعية بعيداً عن الطموحات غير المنطقية التي لن تتحقق يوماً من الأيام.

الخلاصة

عموماً، تمكُّن الرئيس عبد ربه منصور هادي من الانتقال من صنعاء إلى عدن وإعلانه سحب الاستقالة واعتبار جميع القرارات والخطوات التي اتخذت بعد 21 سبتمبر 2014م، لاغية، والتحرك الخليجي والدولي الأخير الداعم للرئيس هادي وقرار نقل البعثات الدبلوماسية الخليجية إلى عدن بشكل مؤقت يقود إلى أن الحركة الحوثية أصبحت الآن في موقف محرج ليس أمام العالم الذي قال موقفه بوضوح من التحرك الانقلابي للحوثيين، بل أمام بعض القبائل والأحزاب السياسية التي انخدعت بالحوثيين ولعل ما طرح في بداية هذا المقال موجهة بالدرجة الأولى إلى تلك الفئة تحديداً. من الأهمية بمكان أن تدرك تلك الفئة من الشعب اليمني أن بلادهم قائمة اقتصادياً على المعونات الدولية وأن المانحين لن يقدموا تلك الأموال للحركة الحوثية كما أن إيران وغيرها ممن يدفع بالحوثيين واليمن نحو الهاوية لا يملكون القدرة المالية على التكفل بتعويض تلك المعونات لسنوات طويلة. في نهاية المطاف سيكون الشعب اليمني هو الضحية الوحيدة للمغامرات السياسية غير المحسوبة، فهل سيدرك ذلك قبل فوات الأوان؟!

 

الأربعاء، 18 فبراير، 2015

الأقليات العرقية في إيران بين التهميش والتلوث البيئي



بلوشستان
 
شؤون إيرانية

د. محمد بن صقر السلمي 
@iranianaffairs
المصدر: صحيفة مكة
تعتبر تركيبة المجتمع الإيراني تركيبة موزاييكية تتكون من أقليات عرقية، ودينية ومذهبية متنوعة، ويلعب الجانب العرقي دوراً كبيراً ليس في سياسة إيران الداخلية وهيكلة النظام وعلاقة الحكومة المركزية في طهران بالأقليات العرقية في البلاد بغض النظر، في الغالب، عن انتماءاتها المذهبية والدينية، إلا أن الأمر يزداد سوءاً عندما تختلف بعض مكونات المجتمع الإيراني عرقياً ومذهبياً عن الصبغة المعروفة للنظام الإيراني بعد ثورة 1979م.

البلوش

في ظل غياب شبه كامل لكافة الجمعيات والمؤسسات التي تهتم بحقوق الإنسان حول العالم وتدافع المضطهدين لأسباب دينية أو عرقية ونحو ذلك، تمارس السلطات الإيرانية أقسى أنواع التهميش تجاه الأقليات العرقية في البلاد واضطهادها بأشكال مختلفة ومتنوعة. ففي الشرق والجنوب الشرقي يعاني أهالي محافظة سيستان وبلوشستان من تهميش كبير في الجانب المعيشي والتنموي والتعليمي والانخراط في مؤسسات الدولة خاصة في المناصب المرموقة في الإقليم ناهيك عن الوظائف في الوزارات الكبرى. كما أن حصة المحافظة من الميزانية العامة للدولة تعد الأقل من بين جميع المحافظات الإيرانية على الرغم من أن المحافظة تعد ثالث أكبر محافظة في البلاد. قاد هذا الأمر السكان إلى التعبير عن امتعاضهم تجاه هذا التهميش وقادهم إلى تنظيم العديد من المظاهرات والمسيرات الاحتجاجية مما أدى إلى مواجهات ومصادمات مع الأجهزة الأمنية الأمر الذي نجم عنه اعتقال وإعدام العشرات.

معاناة عرب إيران

أما فيما يتعلق بالأقلية العربية في محافظة عربستان (خوزستان حالياً) في الجنوب والجنوب الغربي لإيران وعاصمتها حالياً الأحواز فالأمر أكثر سوءاً من غيره. هذه المحافظة تعد أكثر المحافظات الإيرانية ثراءً في الجغرافيا الإيرانية حيث حقول النفط والغاز التي تمد إيران بقرابة 85% من ميزانية الدولة. تعد الغالبية العظمى من الأقلية العربية في إيران من أتباع المذهب الشيعي الاثناء عشري، إلا أن ذلك لم يشفع لهم عند النظام الإيراني. تعاني مناطق المحافظة من تجاهل كامل للبنية التحتية والخدمية ويعاني شباب المحافظة من البطالة وانتشار المخدرات بينهم جراء هذا التهميش. إلى جانب ذلك، يعترض أهالي المحافظة على قيام السلطات بتغيير ممنهج للتركيبة الديموغرافية للمحافظة من خلال اعتماد سياسة التهجير للأهالي مقابل توطين عائلات تم نقلهم من محافظات وسط إيران من العرق الفارسي في الغالب.

التلوث البيئي
 

تعاني المحافظة من تلوث بيئي كبير جعلها تحتل المركز الأول عالمياً من حيث التلوث البيئي مما أدى إلى معاناة الأهالي خاصة الأطفال والشيوخ من أمراض مزمنة. وهناك أسباب طبيعية لهذا التلوث البيئي إلا أن السبب الأكبر يعود إلى التصرفات الخاطئة للحكومة الإيرانية. فلقد عمدت السلطات إلى نقل مياه نهر كارون الشهير إلى محافظات وسط إيران وتجفيف بعض المناطق الغنية بالمياه وتحويل بعض المناطق الزراعية إلى مصانع مما أثر بشكل مباشر على بيئة المحافظة فأصبحت تعاني من تلوث بيئي كبير وتصحر ملفت للأنظار. ويأتي هذا التلوث بسبب المشاريع غير المدروسة التي أقامتها الحكومات الإيرانية المتعاقبة ومنها مصانع الصلب والحديد وكذلك مصانع البتروكيمياويات ومشاريع قصب السكر التي أقيمت في السنوات الماضية على ضفتي نهر كارون وقد اكتملت حلقة التلوث هذه بعد قيام الحكومة الإيرانية بإنشاء المزيد من السدود على الأنهار المنحدرة من سفوح جبال زاجروس نحو المحافظة

الموت البطيء للأحوازيين

وخلال الأيام القليلة الماضية ارتفعت حالة التلوث بشكل غير مسبوق، ونشر الناشطون المحتجون الأحوازيون على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي صورا مأساوية عن الأجواء في الأحواز تشير بوضوح إلى حدوث مشكلة بيئية كبيرة هناك، وقد رفع الأحوازيون شعارات من بينها "لقد ماتت المحافظة، ونحن خلقنا من التراب وسوف نعود إليها"، "ستبقى هذه الأرض على رؤوسنا ما حيينا"، واسفاه على من مات بسبب التلوث"، كلنا ما نطلبه من هذه الدنيا هو أن نتنفس هواء نقياً"، وكذلك "الهواء النقي حق مشروع لنا" وغيرها من الشعارات التي تعبر عن الامتعاض والغضب. وأدى التلوث البيئي إلى اغلاق المدارس وبعض الإدارات الحكومية في عدد من مدن المحافظة.

إلى ذلك، أعلنت المنظمة العالمية لبحوث السرطان (IARC) مؤخراً بأن تلوث الهواء العامل الأساسي وراء انتشار ظاهرة السرطان، وأن مدينة الأحواز هي الأكثر تلوثا في العالم. وهناك علاقة مباشرة بين تلوث الهواء وأنواع الأمراض ومن بينها السرطان.  في هذا الصدد، كان الرئيس الأسبق لمستشفى الشفاء المتخصص بمعالجة الأمراض السرطانية قد حذر من التزايد الواضح لأعداد المراجعين الجدد لمرضى السرطان في الأحواز وقال: الأرقام تؤكد ارتفاع عدد المرجعين الذين يشكون من مرض السرطان وقد ارتفعت بما يقارب 500 % مؤكداً بأن ارتفاع نسبة معدلات الإصابة بمرض السرطان في الأحواز تعود بشكل رئيسي إلى تلوث العناصر الرئيسية للبيئة مثل الهواء والماء والغذاء، محذرا من وقوع تسونامي سرطان في السنوات القادمة.

عموماً، هذا التهميش والمعاملة غير المنصفة لشريحة كبيرة تشكل قرابة 50% من المجتمع الإيراني، من بينهم البلوش والأحوازيون، قد ينعكس بشكل كبير ومباشر على الاستقرار السياسي في البلاد خاصة إذا ما استمر النظام في تجاهل هذه المطالب المعيشية والتنموية الرئيسة. فوفقاً لتقرير صدر مؤخراً، صنفت إحدى المؤسسات البحثية الغربية حالة الخطر السياسي Political Risk  في إيران بـ "المرتفعة High)  بينما جاء الخطر الأمني Security Risk  بالمستوى "المتوسط Middle" خاصة في بعض المحافظات التي تقطنها الأقليات العرقية، ولعل ذلك مؤشر كبير على مدى امتعاض تلك الأقليات إلى جانب شرائح أخرى من المجتمع الإيراني بشكل عام.

 
 


 

الأربعاء، 21 يناير، 2015

الدرس السعودي في إساءات إيران الإعلامية للمملكة





 

 
 
 
شؤون إيرانية:
بقلم: د. محمد بن صقر السلمي
المصدر: صحيفة مكة
 
ضربت الصحافة الإيرانية خلال الأسابيع القليلة الماضية موجة محمومة من التعرض لدول الخليج العربي والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص إلى درجة غير مسبوقة خلال العقد الأخير على أقل تقدير. كمتابع يومي للإعلام الإيراني والتصريحات الصادرة من مسئوليّ النظام الإيراني على كافة المستويات ابتداءً من ولي الفقيه والدوائر المقربة منه ومروراً بالقادة العسكريين من الحرس الثوري والجيش الإيراني وانتهاءً بالحكومة الإيرانية، أجد أن الصوت الإيراني بدأ يرفع من وتيرة العداء تجاه منطقة الجوار العربي وقد وصل الأمر إلى التهديد الصريح أيضاً.

 
في السابق، اعتاد المتابع للشأن الإيراني على تصريحات إيرانية مستفزة صادرة في الغالب من التيار "الأصولي" وقيادات الحرس الثوري وقوات البسيج (التعبئة)، أما الأمر فقد تغير في المرحلة الأخيرة حيث بدأت هذه التصريحات تصدر أولاً من مساعد وزير الخارجية حسين أمير عبداللهيان ثم بدأت الوتيرة تعلو شيئاً فشيئاً فانتقلت إلى وزير الخارجية وإن كان بشكل غير مباشر قبل أن تصل إلى المرشد الأعلى علي خامنئي الذي بدوره منح الرئيس الإيراني حسن روحاني الضوء الأخضر لمهاجمة السعودية، وكان ذلك خلال خطاب ألقاه خلال زيارته لمدينة "بوشهر" وتناقلته وسائل الإعلام المحلية والدولية.  

يظهر هذا التناقض جلياً في خطاب روحاني (نذكر بأنه ركز في حملته الانتخابية على ضرورة تحسين العلاقات مع السعودية) الذي يهدد ويتوعد الدول التي تقف، بزعمه، خلف هبوط أسعار النفط ويذكر السعودية والكويت على وجه التحديد، ثم يعود ليقول إن هاتين الدولتين سوف تتضررا من هذا التراجع في أسعار النفط أكثر من إيران. وهنا يقفز السؤال: إذا كان الأمر كذلك فعلاً فكيف تتهمهما بالتآمر على إيران خاصة أنهما ستتضرران أكثر من غيرهما، وهل يريد فخامته إقناع الإيرانيين والخليجيين بل والعالم بأنه أعلم بمصالح الآخرين أكثر من أنفسهم؟!

 إن تحليل هذه التصريحات المسيئة للمملكة العربية السعودية وقيادتها ممثلة في خادم الحرمين الشريفين حفظه الله وألبسه ثوب الصحة والعافية يقود إلى نتيجة واحدة تتمثل في أن النظام الإيراني يواجه صعوبات حقيقية قد وصلت إلى العظم جعلتها تتألم كثيراً خلال هذه الفترة، ولكنها بدلاً من الاعتراف بذلك والعمل على حلها، سلكت أسهل الطرق من خلال تصدير مشاكلها إلى الخارج. في إطار العرف الدبلوماسي والسياسي والأخلاقي، فإن مثل هذه التصريحات لا ترقى مطلقاً إلى أن تصدر من مسئولين صغار في دولة تحترم اسمها وسمعتها وصورتها في الخارج ناهيك عن أن تصدر ممن يتربع على رأس الهرم والرجل الثاني في البلاد معاً. وعندما، على سبيل المثال، تكتب صحيفة إيرانية رسمية ومرتبطة بإدارة تشرف عليها وزارة الداخلية الإيرانية عن ضرورة التدخل في الشأن الداخلي السعودي وإثارته دون أن يصدر بحقها أي عقوبة أو تنبيه من الحكومة الإيرانية فهذا يعني تواطؤ النظام وقبوله بذلك وربما تكون تصريحات المسئولين الإيرانيين هي من قادت، بشكل أو بآخر، تلك الصحف على كل ذلك التطاول المقزز. وقد قالها صراحة، إبراهيم آقامحمدي، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، بأن وزارة الإرشاد التي أحالت صحيفة إلى المحاكمة لإساءاتها المتكررة لدول الجوار، قد ارتكبت خطأ فادحاً بفعلتها هذه، زاعماً بأن السعودية تتآمر مع من وصفهم بالأعداء (أمريكا) ضد إيران، وفق ما نشرته وكالة أنباء فارس شبه الرسمية.

 تتحدث إيران دائماً عن حضارة تمتد إلى 2500 سنة وتقدم نفسها بالقوة العظمى والوحيدة في المنطقة وأنها حامية أمن الخليج العربي والمُلهِمة في الحنكة السياسية والدبلوماسية ثم نرى أن زعماءها وقادتها ينحدرون إلى هذا المستوى أو يسمحون بذلك في وسائلهم الإعلامية التي بعضها تمتلكها مؤسسات حكومية وأمنية معلنة. من يعيش على ذكرى الماضي يبقى حبيس تلك الحقبة وتسيطر عليه مما قد يقوده إلى ارتكاب بعض الأخطاء الفادحة. إن هذا الاسفاف الإعلامي يؤثر على تاريخ هذه الدولة الجارة ويسيء إلى مكانتها إقليمياً ودولياً كما أن ذلك يكشف أمام شعبه في المقام الأول، ناهيك عن المتابعين من الخارج، يكشف مدى هشاشة هذا النظام والصعوبات التي يواجهها. وبالفعل فقد بدأت بعض الشخصيات المنصفة والمتزنة في الداخل الإيراني تتعجب من هذا الانحدار الرهيب الذي تشهده إيران خلال هذه الفترة ولكنها لا تستطيع، في غالب الأحيان، الإفصاح بمعظم انتقاداتها للنظام خشية البطش والقمع، وبالتالي تكتفي بالانتقاد على استحياء أو بصورة غير مباشرة أو حادة والتساؤل هل نرضى أن تكال مثل هذه الشتائم لإيران أو رموزها الوطنية.

 الدوافع والأسباب للتهجم على المملكة:

تعد المسألة واضحة جداً ولا اعتقد أنها تخفى على ذكاء الشارع الإيراني وفطنته. لقد قدم الرئيس روحاني وعوداً كثيرة للشعب الإيراني خلال حملته الانتخابية وبعد تنصيبه ولكن غالبية هذه الوعود لم تتحقق بل واتجهت الأمور في المسار المعاكس. لقد وعد بحل مشكلة البطالة ولم ينجح ووعد بضبط الأسعار وكبح جماح التضخم الاقتصادي فارتفع سعر رغيف الخبز الذي يعد غذاء الأسر الإيرانية الأول بنسبة 30%، وراهن على رفع العقوبات الخراجية ولم ينجح حتى اللحظة كما وعد بتحسين العلاقة مع دول الجوار فزاد الأمر سوءاً.  ليس ذلك، كله أو بعضه، بسبب تدخلات خارجية أو ظروف طارئة بل لأنه استمر في تكرار الأخطاء ذاتها التي وقع فيها سلفه الرئيس محمود أحمدي نجاد. لقد نأت دول الخليج العربي بنفسها عن معاملة إيران بالمثل وهي ليست عاجزة عن ذلك مطلقاً ولكنها تتخذ من سياسة عدم التدخل في شؤون الآخرين مبدئاً رئيسياً في سياساتها. 

الحلول:

بداية، يحتاج الإعلام الإيراني أو من يوجهه ضد دول الجوار إدراك أن التعامل مع الخلافات السياسية من خلال الهجوم الإعلامي الذي يتجاوز حدود اللباقة وآداب المهنة يدل على ضعف الحجة والموقف من خلال انتهاج مسلك تهييج الشارع ضد ذلك الخصم والمنافس الإقليمي.  من هذا المنطلق، ولحل المشاكل الحقيقية التي تواجهها طهران بعيداً عن لوم الآخرين، تحتاج طهران إلى إعادة استراتيجياتها الإقليمية التي لم تجلب لها حتى اللحظة إلا مزيداً من النظرة السلبية في محيطها الإقليمي، ولعل آخر الدراسات في هذا الصدد ما نشر مؤخراً حول نظرة العراقيين تجاه إيران، حيث تظهر الدراسة أن وجهات النظر السلبية تجاه إيران قد كانت في عام 2008م 22% فقط، وارتفعت إلى 24% في عام 2010م، وتواصل الارتفاع إلى 29% في عام 2013م، وبلغت مؤخراً في أكتوبر الماضي 2014م 41%. بعبارة أخرى، كلما زاد تدخل إيران في الشأن العراقي الداخلي كلما زادت النظرة السلبية تجاه طهران.
  

لذا، ولتصحح صورتها في المنطقة وتتغلب على المشاكل التي تعصف بها داخلياً وخارجياً، تحتاج إيران للقيام بعدة خطوات جادة يمكن تلخيص أهمها في النقاط التالية:

1)

التوقف عن العزف على فزاعة العدو المتربص لإرهاب الشارع الإيراني والضرب بعصا الخطر الخارجي لعدم تحقيق المطالب الشعبية المتراكمة

2)
بدلاً من تبديد أموال الشعب الإيراني على المليشيات المسلحة في المنطقة، بداية من لبنان ومرورا بالعراق وسوريا والبحرين وانتهاء باليمن، على النظام الإيراني تحويل هذه الأموال إلى الداخل وانتشال الشعب من الفقر المقذع الذي يعيش فيه وحل مشاكل البطالة وإدمان المخدرات التي تعصف بالمجتمع الإيراني الصديق وقادت إلى تدهور أوضاعه منذ ثورة 1979م. ولقد عبر الشارع الإيراني عن امتعاضه من هذا التوجه الحكومي عدة مرات ويتذكر الجميع شعار الشباب الإيراني "لا غزة ولا لبنان،،، روحي فداء إيران". لكن النظام الحاكم لايزال يتجاهل ذلك ويبحث عن مبررات خارجية واهية.

3)
الاقتناع بأن السعي لإنتاج السلاح النووي وبالتالي محاولة تهديد دول المنطقة بذلك لن يُخرج إيران من مشاكلها الداخلية ولن يُحسّن المستوى المعيشي للشعب الإيراني أو كما يقول الإيرانيون (لن نتناول النووي على المائدة) ولعل حالة كوريا الشمالية خير شاهد على ذلك.

4)
الاعتراف للشعب الإيراني بالأخطاء السابقة سيكون أول الخطوات نحو التصحيح والخروج من المأزق إلا أن ذلك قد يصطدم بطبيعة الشخصية الحاكمة في إيران التي تميل كثيرا إلى المكابرة في غالب الأحيان وهو الخطأ ذاته الذي وقع فيه الشاه قبل أن يسقطه الإيرانيون في عام 1979م.

 ختاماً نذكر الجميع بأن السعودية ووسائلها الإعلامية قد نأت بنفسها عن معاملة إيران بالأسلوب ذاته، ليس لأنها عاجزة عن ذلك، بل لأنها لا تراه من بين الخيارات اللائقة باسمها وسمعتها كما أن السعودية ليست في حرب مع إيران حتى وإن أرادت طهران إقناع شعبها بذلك للخروج من الصعوبات التي تواجهها. إن عدم انسياق السعودية خلف هذه الحملة الإعلامية الشعواء يعد في حد ذاته درساً كبيراً لوسائل الإعلام الإيرانية التي ركبت موجة الإساءة للمملكة وكررت أسطوانات مشروخة حول هذا الوطن وقيادته وشعبه.

 

 

الثلاثاء، 25 نوفمبر، 2014

نتائج المفاوضات النووية ومعادلة "خسارة-خسارة"




شؤون إيرانية
بقلم: د. محمد السلمي

المصدر: خاص بالمدونة



خلال الأيام القليلة الماضية، كانت الأنظار تتجه إلى العاصمة النمساوية فيينا حيث الاجتماعات المكثفة لإيران ومجموعة 5+1 بشأن مستقبل المفاوضات حول برنامج إيران النووي وقد غلبت توقعات التوصل إلى اتفاق بحلول 24 نوفمبر 2014 على المشهد الإعلامي العربي والدولي خاصة بعد توافد وزراء خارجية الدول المشاركة في المفاوضات إضافة إلى الأمين العام للأمم المتحدة السيد بان كي مون إلى فيينا  واستمرار المفاوضات لساعات طويلة تخللها اجتماعات ثنائية تحدث لأول مرة (في العلن) بين وزيري الخارجية الأمريكي والإيراني دون مشاركة أي طرف ثالث.

ولقياس النتائج التي توصل إليها المؤتمرون في فيينا، علينا أن نسترجع سويا مطالب الطرفين الإيراني والغربي بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي حول الملف النووي الإيراني. كانت مجموعة 5+1 تطالب إيران بخفض عدد أجهزة الطرد المركزي بشكل كبير وكذلك إيقاف العمل في محطة "آراك" للمياه الثقيلة والإبقاء على مستوى تخصيب منخفض لليورانيوم وتقليص كميات اليورانيوم المخصب بنسبة 20%. كذلك، لا يزال هناك بعض الأسئلة الجوهرية التي لم تقدم بشأنها طهران إجابات شفافة ومنطقية للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

على الجانب الآخر، كانت المطالب الرئيسية لإيران تتمثل في رفع العقوبات المفروضة على البلاد دفعة واحدة أو تقديم آلية واضحة وملزمة لرفعها بشكل تدريجي. فإيران تعارض تعليق العقوبات خاصة المفروضة من قبل مجلس الأمن الدولي أولا، والولايات المتحدة الأمريكية ثانيا. لماذا تصر إيران على هذا الطلب؟ إصرار إيران على رفع العقوبات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن سوف يؤدي إلى رفع، ربما تلقائي، الشرعية عن العقوبات الأخرى الصادرة من بعض الدول خاصة الاتحاد الأوروبي وكذلك تركيا والصين والهند وغيرها، وبرفع العقوبات، وليس تعليقها، سيكون موقف إيران أكثر قوة في وجه العقوبات الصادرة من واشنطن تحديدا.

نعود الآن إلى نتائج اجتماع فيينا الذي توصل إلى قرار يقضي بتمديد المفاوضات لمدة سبعة أشهر قادمة. خلال هذه الفترة سوف تحصل طهران على 700 مليون دولار شهريا (قرابة 4.2 مليار دولار في المجموع) من أموالها المجمدة في الغرب. فهل هذا المبلغ يعد نجاحا لإيران؟ قد يراه البعض كذلك خاصة وأن إيران تمر بصعوبات اقتصادية كبيرة وعجز معلن في ميزانية العام الحالي في ظل التراجع في أسعار النفط منذ يونيو الماضي. لكن لا اعتقد أن إيران تنظر إلى ذلك بصفته إنجازا بل أن الإعلام الإيراني لم يعر ذلك أي اهتمام يذكر لأن التوقعات بل والآمال كانت أكبر من ذلك بكثير، وكان الشارع الإيراني يستعد للاحتفال بالتوصل إلى اتفاق نهائي على غرار احتفالات شهر نوفمبر الماضي عندما تم التوصل إلى اتفاق مبدئي. فيما يتعلق بالجانب المالي تحديدا، علينا إدراك أن طهران كانت تتلقى دفعات مالية مشابهة (500 مليون دولار في كل دفعة) من أموالها المجمدة خلال فترة الاتفاق المبدئي، وبالتالي فقد كسبت إيران 200 مليون إضافي فقط في كل دفعة مقارنة مع الدفعات السابقة. ومن هنا يمكننا قياس مدى نجاح إيران من عدمه في هذا الصدد!

 يمكننا الآن طرح السؤال المتوقع وهو كيف نقرأ هذا الاتفاق على تمديد المفاوضات؟ لا شك أن الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته كانا يسعيان إلى الوصول إلى "انتصار" واتفاق نهائي بهدف اثبات مدى فاعلية سياسة حكومة أوباما في التعامل مع قضايا الشرق الأوسط عموما والملف الإيراني على وجه الخصوص. كان أوباما –ولايزال-يراهن على المسار الدبلوماسي في حل الملفات العالقة مع إيران وأراد أن يقنع الرأي العام الأمريكي والجمهوريين، على حد سواء، بفشل السياسة السابقة تجاه هذه القضايا. علاوة على ذلك، أدى الفوز الأخير للجمهوريين بالأغلبية في مجلس الشيوخ الأمريكي إلى مضاعفة الضغوط على أوباما وبالتالي راهن على الوصول بالملف الإيراني إلى بر الأمان في أقرب فرصة ممكنة، وبعبارة أخرى، كان أوباما يقاتل من أجل الوصول إلى اتفاق نهائي مع طهران لإعادة التوازن لحكومته التي تواجه الكثير من الانتقادات بشأن سياستها في الحرب على داعش وتعاملها مع الملف السوري واليمني إلى جانب الملف النووي الإيراني، ولعل تقدم وزير الدفاع الأمريكي باستقالته مؤخرا خير شاهد على ذلك، وهو بالمناسبة الوزير الرابع  للدفاع الذي يستقيل من حكومة أوباما خلال الست سنوات من رئاسته.

على الجانب الإيراني، وعلى النمط "الأوبامي" مع بعض الفوارق البسيطة، سعت حكومة حسن روحاني إلى إثبات فاعلية سياستها الخارجية "المنفتحة" ومحاولتها تفادي أخطاء حكومة أحمدي نجاد وسياستها الهجومية. صحيح أن ملفات السياسة الخارجية والأمن القومي والخطوط العريضة للمفاوضات النووية يرسمها المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي ويتحكم في خيوطها بشكل شبه كامل، إلا أن هناك مساحة يستطيع رئيس الجمهورية، أي كانت ميوله الحزبية، التحرك فيها بمرونة معقولة، وبالتالي يأتي اختيار روحاني مسار رسم وجه "مختلف" لإيران بعد انتخابه في هذا الإطار. عدم وصول فريق التفاوض الإيراني إلى اتفاق نهائي يفتح الشهية للتيار الأصولي في إيران لمهاجمة سياسة الحكومة الحالية التي كسرت وبشكل متكرر الصورة "الذهنية" للجمهورية الإسلامية التي ترفع شعار العداء "للشيطان الأكبر" الأمريكي طيلة أكثر من ثلاثة عقود وعليه أصبح هذا الشعار الذي كان يوما أحد مرتكزات النظام الإيراني وثوابته مهزوزا إن لم ينهار تماما.

ختاما، بالعودة إلى نتائج المفاوضات يمكننا القول إن شعار روحاني طيلة فترة المفاوضات والمتمثل في معادلة "فوز-فوز" لم يتحقق، كما لم يكن هناك طرفا قد حقق مكاسب على حساب الطرف الآخر، ولعل السبب في ذلك كله يعود إلى حقيقة أن مجموعة 5+1 لا تتبنى بشكل كامل وتوافقي السياسية الأمريكية فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني فهناك وجهات نظر فرنسية وروسية وصينية تختلف، بشكل أو بآخر، وبمستويات متباينة، مع السياسة الأمريكية في هذا الصدد وعليه يمكننا اعتبار هذه الجولة من المفاوضات بمثابة "خسارة-خسارة" لروحاني وأوباما على حد سواء.

الأربعاء، 12 نوفمبر، 2014

إيران: نهاية الثورة (تقرير مهم)





شؤون إيرانية




(1) مقدمة

خلال أقل من شهر، ستنطلق المحادثات مجددًا بشأن تحجيم برنامج إيران النووي. لا تزال إيران تصر، بعد 12 سنة من محاولات إقناعنا المستمرة، بأنها لا تسعى لقنبلة نووية، ولكن فقط لطاقة نووية للاستخدام السلمي. ولكن أحدًا لا يصدقها. إذا انهارت المحادثات، سيُنذر ذلك بسباق تسلّح نووي في الشرق الأوسط، أو ربما لهجمة عسكرية أمريكية أو إسرائيلية على البنية التحتية الإيرانية لوقف مساعيها. في كلتا الحالتين ستكون العواقب وخيمة.

لا تزال هناك الكثير من الأمور العالقة بين إيران ومجموعة الخمسة زائد واحد (أعضاء مجلس الأمن الدائمون + ألمانيا). تنصب الجهود بالأساس على آليات الاتفاق، فالطرفان لا يمكنهما الآن الاتفاق على عدد أجهزة الطرد المركزي التي يمكن لإيران أن تستخدمها لتخصيب اليورانيوم، أو طول المدة التي يسري فيها الاتفاق، أو سرعة رفع العقوبات الاقتصادية.

يمكن سد هذه الفجوة إذا وثقت إيران والولايات المتحدة في بعضهما البعض. أحد أسباب توتر هذه العلاقة بشدة هو أن صورة إيران لدى الرأي العام الغربي قديمة جدًا لدرجة مُضحِكة. سيساعد فهم أفضل لإيران كبلد كثيرًا في دفع المحادثات قدمًا نحو تسوية شاملة أو على الأقل تجنّب السيناريو الوخيم.

إيران اليوم

الكثير مما تقوم به إيران خاطئ تمامًا. فهي تموّل الإرهابيين والميليشيات في لبنان وفلسطين، وتساند نظام بشار الأسد الدموي، كما أن مسؤوليها ينكرون حق إسرائيل في الوجود بشكل مستمر. أضِف إلى ذلك معاملة النظام الوحشية والظالمة في الداخل للمعارضين. يوم السبت الماضي، وقبل استنكار أحد مبعوثي الأمم المتحدة لتزايد أحكام الإعدام في إيران ومعاملتها للنساء، تم إعدام امرأة لقتلها رجلٍ اتهمته بالاعتداء الجنسي عليها، فيما قال آخر بأن وكالة الطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة اشتكت من أن إيران ليست بالشفافية المطلوبة بخصوص بحوثها النووية — وهو جزء مما تقوم به من تملّص وخداع.

مهما بلغ كل ذلك من سوء، يظل استهجان الغرب لإيران بشكل خاص واستثنائي يضعها في صورة قاتمة جدًا، باعتبارها عدوًا لن يتبدّل. فقط كانت جزءًا من محور الشر الذي صنّفه جورج بوش الابن، وهي ديكتاتورية تحاول تصدير ثورتها باستمرار، وتقتات على نمط مخيف من الإسلام قد تكون لاعقلانيته كافية للتسبب في كارثة نووية، بل إن البعض قد لام الرئيس الأمريكي باراك أوباما لقيامه بالتفاوض من الأصل مع هذا الكيان الظلامي.

مرت 35 سنة منذ زيارة آخر مسؤول أمريكي لإيران، وقد تغيّرت إيران كثيرًا، إذ انطفأت تمامًا نار الثورة فيها، كما تبيّن التغطية الخاصة لإيران في عدد هذا الأسبوع من مجلة الإيكونوميست. فبنزوح الكثيرين من القرى إلى المدن، أصبحوا أكثر غنى، وزادت رغبتهم في الحصول على السلع الاستهلاكية والتكنولوجيا الغربية. يلتحق أكثر من نصف الإيرانيين بالجامعات، بعد أن كان يلتحق الثُلث فقط منذ خمس سنوات. هذا بينما فقدت السياسة الردايكالية بريقها وارتفع رصيد الوسطيين البراجماتيين بعد رئاسة أحمدي نجاد الكارثية، وفشل الانتفاضة الخضراء — التي سعت لإسقاطه في 2009 — وأثار الربيع العربي الفوضوية. كذلك تراجع المجتمع الديني التقليدي الذي طالما حلم به الملالي. بمرور الوقت، أصبحت أعداد المصلين بالمساجد تتضائل، ولم يعد يُسمَع الأذان باستمرار، خاصة وأن الكثيرين يشكون الضوضاء. في قم، العاصمة الدينية، يضاهي مركز تسوق عملاق الحوزات العلمية هناك. وبينما تتأسس خلافة على أرض العراق وسوريا، يبدو على الناحية الأخرى أن هناك دولة إسلامية يتراجع الدين فيها.

إيران ليست ديكتاتورية صِرفة. المرشد الأعلى، آية الله على خامنئي، هو صاحب القول الفصل، ولكنه دوره هو الفصل بين أجنحة النُخبة المختلفة، وهي مكونة من آلاف من السياسيين ورجال الدين والجنرالات والأكاديميين ورجال الأعمال ممن يشكلون فرقًا متصارعة ومُربِكة ومتغيرة باستمرار. ورُغم أن هذا لا يجسد ديمقراطية بأي شكل، إلا أنه بمثابة “سوق” سياسي، وكما لاحظ الرئيس السابق أحمدي نجاد، السياسات التي تنشأ دون إجماع أو اتفاق تلك الفرق، لا تعيش طويلًا. لذلك، اختارت إيران العام الماضي حسن روحاني رئيسًا، وهو الذي يعتزم الانفتاح على العالم، وكبح جماح الحرس الثوري المتشدد. ينتمي روحاني إلى النظام الإيراني، وهذا طبيعي، غير أن حكومته تضم حاصلين على درجات الدكتوراه الأمريكية أكثر من حكومة أوباما نفسه، وهو ما يقول لنا الكثير عن الواقع الإيراني اليوم.

الطريق إلى التسوية

ماذا يعني كل ذلك لاتفاق نووي؟ في البداية، يعني أن إيران تتعامل براجماتيًا لتصل إلى ما يصُب في مصلحتها، وليس بشكل درامي لإسقاط النظام العالمي، أي أنه يمكن أن يؤدي التفاوض معها إلى نتاج مثمر. ويعني أيضًا أن القوة في إيران تتحرك بين أجنحة مختلفة، تمامًا كالولايات المتحدة، وبالتالي يجب حماية أي اتفاق معها في المستقبل من عواقب وصول رئيس متشدد مرة أخرى للرئاسة. وأخيرًا، وهو الأهم، أن الوقت في صالح الغرب.

فكلما طال الوقت، كلما تزايد تراجع أرصدة ثورة 1979، وكلما أصبحت إيران أكثر انفتاحًا. ستتراجع المفاهيم الصلبة أكثر تحت وطأة مخاوف الحياة اليومية، مثل زيادة الدخل والتجارة. لن تتنازل إيران بين ليلة وضحاها عن برنامجها النووي، وهو ما قد يراه الإيرانيون بمثابة إهانة، وهي كذلك لن تصبح فجأة على علاقة جيدة بالولايات المتحدة، ولن تتوقف عن التدخل في جوارها. ولكن إذا ما شعر النظام في إيران بأنه يمكنه تفادي مصير القذافي، الذي تنازل عن برنامجه النووي وسقط نظامه في النهاية، لن يكون كبح البرنامج النووي في نظره سوى مقامرة.

سيساعد الوقت أيضًا لأن الوصول لاتفاق يصب في مصلحة إيران أكثر مع الوقت، فروحاني يحتاج إلى مخرج من العقوبات. فبعد معدل نمو سنوي بلغ ٥٪ على مدار العقد الماضي، انكمش الاقتصاد بـ٥.٨٪ في 2012. يساهم النفط في دفع فواتير الحكومة، ولكن تراجع أسعار النفط مؤخرًا بـ٢٥٪ يضغط على الاقتصاد أكثر. تقع إيران أيضًا في منطقة مضطربة، إذ تهدد داعش حلفاءها الشيعة في العراق، بينما يقع نظام الأسد وحزب الله تحت نيران الحرب الجارية في سوريا. هذا بينما ترسل إيران الإشارات بين الحين والآخر للولايات المتحدة بأنها يجب أن تهتم بالمفاوضات لتضمن الدعم الإيراني في الشرق الأوسط. في الواقع، إيران الشيعية هي المستفيد الأكبر مما يجري: فالولايات المتحدة قد تواجه ردود فعل عكسية من حلفائها السنة في السعودية، ومن السنة الذين تحاول كسب ثقتهم في سوريا والعراق.

رُغم أن هذا الشهر هو الموعد الأخير للاتفاق، إلا أنه على مجموعة الخمسة زائد واحد أن تتحلى بالصبر. فالاتفاق الانتقالي الذي مهّد للمزيد من المحادثات، هو السبب في عدم وضع أي أجهزة طرد مركزي جديدة، وهو ما يخلق حالة التوقف في البرنامج النووي. على العالم ألا يغلق باب المفاوضات في وجه مطالب إيرانية مستحيلة، وكذلك ألا يستسلم لإيران خوفًا من ألا تكون هناك فرصة أفضل للوصول لاتفاق في المستقبل. بدلًا من ذلك، على مجموعة الخمسة زائد واحد أن تصبر حتى تنال الاتفاق المطلوب. سيكون جيدًا إن توصلوا لذلك بالفعل هذا الشهر، ولكنها لن تكون كارثة إن لم يتم.

 
 (2) البطيخ للجميع

الاقتصاد الإيراني هو ثالث أكبر اقتصادات الشرق الأوسط، لدى إيران قاعدة صناعية كبيرة، قوة عاملة متعلمة، وقطاع خدمات استحوذ على أكثر من نصف الاقتصاد في 2012، وهذا العام، انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.8٪ وفقًا للبنك المركزي، وفي العام الماضي انخفض بنسبة 2٪ أكثر من ذلك، والأرقام غير الرسمية أسوأ بكثير
 
لم تلعب الاعتبارات الاقتصادية أدوارًا كبيرة في السياسة الإيرانية، فقد قال روح الله خميني، الذي قاد الثورة عام 1979 "نحن لم ننتفض للحصول على بطيخ أرخص!"،  وعلى مدى العقود الماضية طارد المحافظون الإيرانيون الرؤى المثالية مهما كلف ذلك الإيرانيين، في حين كان الليبراليون جائعين لإجراء إصلاحات سياسية.

هذا الأمر تغير في السنوات الأخيرة، فقد تركز الجدل في انتخابات العام الماضي حول الاقتصاد، وفاز "حسن روحاني" لأن الإيرانيين نظروا إليه باعتباره أقدر المرشحين على تحقيق ذلك، اعتاد المحافظون أن يكونوا مناهضين للتجارة الخارجية، تماشيًا مع المشاعر الثورية وأفكار الاكتفاء الذاتي الاشتراكية، أما الآن، فإن الجميع بما فيهم المرشد الأعلى للثورة الإيرانية يوافق على الرأسمالية المعولمة، في إجابة على سؤال "لماذا؟" أجاب أحد المسئولين الكبار "ابني في الصف الثاني، وقد رشح نفسه في الفترة الأخيرة لانتخابات الفصل الدراسي، كان يعلق آمالا كبيرة، وهو ذو شعبية واضحة، لكنه خسر، لم أستطع أن أصدق ذلك، لكنني سألته عما كانت حملته فأجاب: العدالة والكرامة، فسألته: وخصمك؟ فأجاب: وعدهم بوجبات غذائية أفضل واستراحات أطول".

الإيرانيون يعيشون اليوم بشكل أكثر راحة كثيرًا مما كانوا عليه قبل جيل واحد، لكن السنوات الثلاث الأخيرة كانت صعبة، تعاني الشركات ويعاني المستهلكون من آثار تشديد العقوبات المفروضة كثيرًا منذ عام 2011، يقول أحد المصرفيين في طهران "يمكنك أن ترى عددًا أقل من الأشخاص يحملون أكياس التسوق"، ويتابع "السباك الخاص بي الذي عادة ما يكون مشغولاً دومًا، يقول إنه في كثير من الأحيان يحصل على أول زبائنه في منتصف الأسبوع، أما التجار في قزوين فقد أبلغوا عن انخفاض الإيرادات بنسب تراوحت بين 50٪ و75٪"، وحسب تقدير بائع طماطم فإن هذه هي أسوأ الأوقات منذ 25 سنة، يقول متسوق "لقد دُمر السوق! .. أشعر بالخجل من عدم قدرتي على تحمل تكلفة نفس الطعام كما كنت أفعل في السابق، لا استطيع الآن دعوة أي شخص إلى بيتي".

الاقتصاد الإيراني هو ثالث أكبر اقتصادات الشرق الأوسط، لدى إيران قاعدة صناعية كبيرة، قوة عاملة متعلمة، وقطاع خدمات استحوذ على أكثر من نصف الاقتصاد في 2012، أما في العام الجاري، فقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.8٪ وفقًا للبنك المركزي، وفي العام الماضي انخفض بنسبة 2٪ أكثر من ذلك، والأرقام غير الرسمية أسوأ من ذلك.

خلال العقد الماضي، كان الاقتصاد ينمو بمعدل متوسط 5.1٪ سنويًا، وعندما انقلب الأمر انطلق التضخم ليصل إلى أكثر من 50٪ دفعة واحدة، وعندها فشلت الرواتب في مواكبة الانهيار، انخفضت الأجور في القطاع الخاص بنسبة 35٪ - 40٪، وخسر موظفي الحكومة حتى 50٪ من رواتيهم، وعانى أكثر من نصف السكان من خسارة درامية في دخلهم، وفي أسبوع واحد في أكتوبر 2012 هبطت العملة بنسبة 40٪ مقابل الدولار في السوق السوداء وخلقت حالة من الذعر، وفي أدنى مستوياته انخفض الريال بنسبة 75٪ وقفز معدل البطالة، انخفض إنتاج السيارات التي كانت تمثل 10٪ من الناتج القومي الإجمالي ويوظف أكثر من مليون شخص بنسبة 70٪ وفقًا لمصادر صناعية، مصنع مرسيدس في تبريز كان ينتج 80 محركًا يوميًا قبل عدة سنوات، الآن ينتج اثنين فقط.

كل ذلك تسبب في موجة من السخط الشعبي، الثوريون السابقون، قادة البلاد الحاليون يدركون المخاطر لكنهم يكافحون لأن البلاد بالفعل لا تمتلك المال، في الماضي كان الوضع مختلفًا بفضل تدفق عائدات النفط، وكانت الحكومات دومًا قادرة على خلق فرص عمل وإطعام الفقراء وإنقاذ البنوك التي على وشك الإفلاس ودعم وحتى رشوة منتقدي الحكومة! لكن للمرة الأولى منذ عشر سنوات، خزائن البلاد فارغة والميزانية في عجز، وفقًا لتقديرات الحكومة الأمريكية، فإن الاقتصاد الإيراني اليوم أقل 25٪ من التوقعات ما قبل 2012.

كان السبب المباشر لهذا الهبوط الأكثر دراماتيكية هو إطلاق الحكومات الغربية واحدًا من نظم العقوبات الأكثر صرامة ضد إيران، بهدف إجبار الإيرانيين على إيقاف برنامجهم النووي الإيراني، بين عشية وضحاها، توقف عملاء إيران النفطيين في أوروبا عن الشراء، حظرت الحكومة الأمريكية التعامل بالدولار مع البنك المركزي الإيراني أو أي شخص يتعامل معه، جُمدت أصول الحكومة الإيرانية في الخارج بالإضافة إلى استهداف مئات الشركات المرتبطة بالدولة بشكل مباشر، انخفضت صادرات النفط من 2.5 مليون برميل في 2011 إلى أقل من النصف، أصبح مستحيلاً الحصول على المكونات الصناعية المستوردة؛ ما أدى لزيادة البطالة والتضخم.

بعض الدول غير الغربية (مثل تركيا) تجاهلت العقوبات واستمرت في التجارة مع إيران، تحاول الحكومة الإيرانية أن تدفع لهم بالذهب وتغض الطرف عن التهريب والأرباح التي أطلقت طفرة العقارات، من الصعب معرفة كم التجارة الذي لا يزال مستمرًا، لكن العقوبات كان لها بالتأكيد أثر خطير.

النقاش حول جدوى العقوبات خلق بعضًا من الشراكات الغريبة، المتشددون الغربيون والإيرانيون يقولون إن انهيار مستوى المعيشة في إيران يرجع أساسًا إلى العقوبات الغربية، وهذا ما يعتبره الغربيون نصرًا سياسيًا، لكن الإيرانيين يلومون أعداءهم بسبب ذلك المرض، رغم أنهم مسئولون عنه بشكل جزئي.

حفرة سوداء مليئة بالنفط

الاقتصاد الإيراني يعاني من انعدام الفعالية والفساد والتضخم وكان مقدرًا له الانهيار حتى قبل العقوبات، جميع الإيرانيين تقريبًا تلقوا مساعدات مالية مخصصة للفقراء، وخلال العام الماضي أنفقت الحكومة 100 مليار دولار على الدعم، أي ما يوازي ربع الناتج المحلي الإجمالي.

حتى وقت قريب، كانت تكلفة الديزل بما يعادل 2 سنتًا أمريكيًا للتر، تركيا التي يبلغ عدد سكانها نفس عدد الإيرانيين، ورغم أنها دولة صناعية أكثر من إيران، تستهلك حوالي وقود بنسبة 60٪ أقل من إيران، مكاتب الحكومة الإيرانية مكتظة بشكل كبير، ويعمل في وزارة النفط 260 ألف موظف اليوم بعد أن كانوا 100 ألف في 2005، مجموعة الشفافية الدولية ومقرها برلين، تصنف إيران على أنها "فاسدة جدًا".

المسئولون الإيرانيون يستخدمون الأموال العامة لشراء عقارات في بلدان أجنبية، ووفقًا لأحد المراقبين فإن "السياسة هي مجرد إلهاء عن جمع المال"، أعطى أحد المحققين البرلمانيين تحذيرًا بأنه إذا تم الكشف عن حجم الفساد السياسي فإنه سيتسبب في "صدمة اجتماعية"، واردات السيارات الفاخرة زادت خمسة أضعاف بين 2011 و2013، في حين أن مبيعات السيارات إيرانية الصنع المتواضعة انخفض إلى النصف.

أضر سوء توزيع الثروة بالقطاع الخاص بشكل أساسي، القطاع يشكل ربع إيرادات الشركات في الدولة، والعديد من الشركات تترنح على حافة الإفلاس، والرقم الرسمي للقروض المتعثرة والذي يقول بأنها 18٪ من كامل القروض، يبدو منخفضا جدًا، يقول السيد لايلاز، وهو خبير اقتصادي إن "عدم وجود رأس المال الاستثماري هو أكبر مشكلة تواجه البلاد"، ومنذ 2006، انخفض الاستثمار في الصناعة بنسبة 10 - 15٪ سنويًا.

القطاع المصرفي مختل! البنوك تقرض الشركات التابعة للدولة بشكل حصري تقريبًا، الشركات الصغيرة والمتوسطة لا تستطيع الحصول على القروض، ندرة التمويل ولدت بعض الحلول العبقرية، فعلى سبيل المثال، يستخدم أصحاب العقارات عقاراتهم كضمان للاقتراض من المستأجرين بدلاً من الإيجار.

إدارة الاقتصاد الإيراني كانت سيئة منذ الثورة، لكن في ظل سلف روحاني، أحمدي نجاد، كانت أسوأ كثيرًا، خلال فترته التي بلغت 8 سنوات في الرئاسة، ارتفعت أسعار النفط لأكثر من ثلاثة أضعاف، وذلك بفضل ارتفاع الأسعار الحاد، ودخلت الأموال خزائن الحكومة بأكثر مما تفعل عادة، وبلغت أكثر من 800 مليار دولار في المجموع، أنفق نجاد كل ذك! فقد استهلك مبالغ طائلة في مشاريع البناء، وتناثرت الجسور والطرق الجانبية غير الضرورية، كما أنشأ مشروعه "إسكان مهر" الذي وفر 200 ألف شقة في جميع أنحاء البلاد بدون إيصال المياه والغاز أو المجاري لها، ومعظمها الآن فارغة لم يقطنها أحد.

نظريًا، كانت بعض سياسات أحمدي نجاد سليمة، حاول تعزيز القطاع الخاص من خلال بيع الأصول المملوكة للدولة، وتم إدراج تسعة من أكبر عشر شركات في بورصة طهران خلال العقد الماضي، مجالس الإدارة والمساهمون لم يعودوا بلا سلطات، والإدارة يجب أن تقدم حسابات صحيحة، كما أن اجتماعات الشركات السنوية من الممكن أن تكون مثيرة للجدل، أحد أصحاب الأسهم صرخ في وجه مدير شركة أسيا للتأمين قائلاً "إن حمارًا كان ليدير هذه الشركة أفضل مما تفعل!"

لكن برامج الخصخصة ما زالت تترك آثارًا أكثر مما هو مرغوب، فمعظم الأسهم تم بيعها إلى كيانات قريبة للدولة بما في ذلك صناديق أصحاب المعاشات الذين تلقوا حصصهم على شكل أسهم في بعض الأحيان بدلاً من النقود، وعلى الرغم من أن عمليات البيع والشراء كانت مفتوحة لأي شخص، إلا أن المستثمرين في إيران يفتقرون لرأس المال، كما أن الأجانب لم يكونوا قادرين على الشراء بسبب العقوبات، يتحدث المحللون الآن عن صعود ما يسمى "قطاع شبه خاص".

تخفيض القيمة جعلت بعض قطاعات الاقتصاد أكثر قدرة على المنافسة، فلسنوات كانت البضائع الإيرانية غالية في العراق بسبب المبالغة في قيمة العملة الإيرانية، وعندما تسببت العقوبات في انخفاض الطلب على العملة، انخفضت أسعار المنتجات الإيرانية بين عشية وضحاها لتصبح أرخص من تلك التي في الدول الصناعية المجاورة مثل تركيا، وفي داخل البلاد، بينما أبقت العقوبات المنافسين الأجانب خارجًا، امتلأت محال السوبر ماركت الإيرانية بالمنتجات المحلية للمرة الأولى منذ عشر سنوات.

سحر الاكتفاء الذاتي

بعيدًا عن الإدارة الاقتصادية السيئة، قامت الحكومة الإيرانية بدون قصد بزيادة فعالية العقوبات بطريقتين أخرتين، أولاً: تم إبقاء الضرائب منخفضة للغاية على مدار عقود؛ وهذا ما أجبر الدولة على الاعتماد فقط على عائدات النفط، الآن، اضطرت الدولة لتقليل الإنفاق وزيادة الضرائب في نفس الوقت، وثانيًا: عندما جاء أحمدي نجاد إلى السلطة قبل عشر سنوات، قام بالتخلي عن سياسة البلاد بالاكتفاء الذاتي، فقبل ذلك، كانت إيران تقريبًا مكتفية ذاتيًا، ولديها رؤى لتعزيز النمو، لكن الرئيس الجديد أمر بصك علاقات تجارية جديدة وبخفض الجمارك، كانت هذه السياسة ناجحة بشكل كبير، لكنها جعلت إيران أكثر هشاشة وأكثر عُرضة لتأثير العقوبات.

ربما توقعت الحكومة ذلك، كما قال السيد جواد ظريف، وزير خارجية البلاد، في مقال كتبه قبل بضعة أشهر "إن عملية العولمة الجارية، سواء تمت الإشادة بها أو احتقارها، جلبت معها وزنًا لا مفر منه في التأثير على السياسات الخارجية للدول، سواء كانت كبيرة أو صغيرة، متقدمة أو نامية … لكن اليوم، معظم الدول القومية بغض النظر عن حجمها أو قوتها أو نفوذها، تدرك أن الانعزالية سواء كانت مفروضة أو طوعية، فهي ليست ميزة على الإطلاق!"، إن قائل تلك الكلمات هو الذي يعطيها الأهمية في هذه الحالة وليست المشاعر التي تحملها، لقد أدركت إيران أنها ضُربت بثلاث ضربات قوية هي النفط والعقوبات والتستر على سنوات من الإنفاق غير المحسوب.

في السنة الأولى من عمله استطاع روحاني تحقيق قدر من الاستقرار في الاقتصاد؛ ارتفعت قيمة العملة وازداد الفائض التجاري، انخفض التضخم من 45٪ إلى 15٪، ويتوقع فريق الرئيس من التكنوقراط أن يبدأ الاقتصاد في النمو مرة أخرى هذا العام، ربما لو قللت الحكومة الدعم بنسبة 1.5٪ ستتحسن ماليتها، على الرغم من أنها رفعت أسعار الوقود بنسبة 75٪ بين عشية وضحاها.

لكن هناك طريق طويل، معظم أسعار الطاقة لا تزال مدعومة من قبل الدولة؛ البنزين لا يزال يكلف 28 سنتًا للتر الواحد، البطالة لا تزال مرتفعة بعناد، وهناك حاجة إلى مزيد من الإصلاحات لتسريع النمو، يقول خبراء إن الإصلاحات يجب أن تشمل الحد من الدعم النقدي للفقراء، وكبح جماح دولة الرفاه السخية، وخفض الدعم عن الصناعات والتخلي عن مئات الآلاف من الموظفين الحكوميين.

الإيرانيون تحملوا مصاعب أكبر في الماضي، تسببت العقوبات الأمريكية في الثمانينيات في نقص الوقود والغذاء، الآن، لا يعاني الإيرانيون من الجوع، ولا يُتوقع أن ينهار الاقتصاد في أي وقت قريب، لكن على المدى الطويل ستصبح الإصلاحات أمرًا لا مفر مه، وإذا تمكن للسيد روحاني أن يعقد صفقة مع الغرب لتخفيف العقوبات، فإن تلك الإصلاحات قد تصبح أكثر تدريجية وأقل إيلامًا.

 
(3) التدين في الجمهورية الإسلامية!

المساجد خالية، ومراكز التسوق مزدحمة، ورجال الدين يتراجعون، تحت أعين الجمهورية الإسلامية، التي تحكم واحدة من أقل الشعوب تدينًا في العالم الإسلامي

 طبقًا للقانون في إيران، يجب على كل المباني الحكومية أن تحتوي على غرف للصلاة، ولكن بجولة في أنحاء البلاد المختلفة، يتكشف للناظر أن الأحذية المتناثرة خارج هذه الغرف في محطات الحافلات، والمباني الإدارية، ومراكز التسوق، قليلة للغاية. يقول أحد العاملين في تلك المباني: “نحن نتجه لتلك الغرف للنوم بعد الغذاء”.

رفع الأذان كذلك أصبح نادرًا جدًا، وقد بدأ المسؤولون في إسكات المؤذنين لكسب ود المواطنين الذين يشتكون من الضوضاء. في السابق، كانت يتم قطع مباريات كرة القدم لبث الأذان مباشرة، أما الآن فتظهر علامة صغيرة في ركن الشاشة.

إيران هي الثيوقراطية الدستورية الأولى والوحيدة في العالم، وهي أيضًا واحدة من البلدان الأقل تديّنًا في الشرق الأوسط، إذ يتضائل الدور الذي يلعبه الدين في المجال العام اليوم عمّا كان عليه الحال منذ عقد. تقول واحدة من بنات رجل دين معروف: “لقد مات الاعتقاد الديني، وحل الاشمئزاز محل الإيمان”.

بينما جاهدت القيادات العلمانية في العالم العربي لقمع الإسلام لعقود، خالقة نقطة التفت حولها الكثير من الاحتجاجات السياسية، حدث في إيران العكس تمامًا. فقد أدى تحوّل الإسلام الشيعي لأيديولوجية إلى تراجع صورة كلٍ من الدولة والمسجد، ولسخرية القدر، أدت سياسات الثورة الإسلامية إلى علمنة اجتماعية أكثر مما أدت سياسات الشاه الاستبدادية منذ انقلاب ١٩٥٣، والتي قمعت رجال الدين. بفرض الدين على الناس، أصبحت التعبّد علقمًا. فقد سأم الناس أن يقول لهم أحد ما الذي يجب أن يفعلوه، وتوقفوا عن الاستماع لصوت الدين.

البعض يجد ملاذًا اليوم في المادية، إذ تزداد المحال ومراكز التسوق بشدة، كما يلاحظ سعيد ليلاز، اقتصادي معروف: “لا يمكنك أن تُغدق على شعبك بتريليون دولار في عقد من الزمن، ثم تنتظر منه أن يظل تقيًا وثوريًا. لقد اعتاد الناس على الراحة والرفاهة”.

تراجع كثيرًا نفوذ رجال الدين اليوم في إيران، وأصبح غير مباشر، والكثير منهم اكتفى بالحوزات العلمية، ولم يعد يشارك في الإدارة اليومية للاقتصاد والعلاقات الدولية، رُغم أن الدولة لا تزال تستشيرهم في الأمور الرئيسية. يقول المفاوضون الغربيون في المباحثات بخصوص البرنامج النووي، أن نظراءهم الإيرانيين كثيرًا ما كانوا يغيرون مواقفهم في المفاوضات بعد رحلات إلى قم، معقل الثورة الإسلامية. يملك رجال الدين ثروات هائلة، وبالتالي لا يزالون يتمتعون بنفوذ اقتصادي.

يظل الإيرانيون روحانيين كشعب، ويرون الإسلام جزءًا من هويتهم، ولكن الشيء الذي نفر منه الجميع قدر استطاعته هو الدين المؤسسي. لا يزال على النساء ارتداء الحجاب في الشارع، ولا زلن ممنوعات من دخول الملاعب. الفصل في الحافلات بين الرجال والنساء كذلك لا يزال ساريًا، إذ تجلس النساء في مؤخرة الحافلة وخلف حاجز. بيد أن نساء الخليج يقُلن أنهن يشعرن بحرية أكبر حين يزرن إيران مقارنة ببلدانهن، حيث تقول إحداهن أن كراهية النساء متجذرة في الدولة ربما أكثر في إيران، ولكنها ليست منظمة كما في الخليج.

تطغى النساء على الجامعات في إيران، وأحيانًا تشكلن ثلثا الطلبة، وهو ما دفع إلى مطالبات بوجود كوتة للرجال. كذلك أظهر استطلاع رأي أجري مؤخرًا أن ٨٠٪ من النساء غير المتزوجات لديهن علاقات خارج إطار الزواج.

لا يدلل على هذا التغيّر في إيران أكثر من النظر إلى قُم نفسها، العاصمة الدينية. فقُم، التي يتدفق لها الآلاف ليسمعون الخطب المعادية للغرب من قبل آيات الله، قد تخدعك بهذه القشرة. فالمدينة التي تضاعف سكانها عشر مرات، ليصل إلى مليون ونصف اليوم، تضاءلت فيها مكاتب الحكومة والحوزات العلمية، تحديدًا في شارع الشهيد الذي يسميه الناس شارع المرح، نظرًا لظهور مركز تسوق ضخم — وتُعرَض فيه سراويل النساء الضيقة دون تدخل.

الوافدون من طلبة علوم الدين وآيات الله أيضًا لهم من الخيرات جانب. فرُغم أنه يُفرَض عليهم ارتداء ملابس رجال الدين، ويقضون ساعات يوميًا في الدراسة، يقول واحد من أصحاب محال النظارات أنهم ينفقون لشراء أكثر أنواع النظارات بذخًا. يقول واحد من طلبة الحوزات العلمية، والحزين على هذه الحال: “الحرام يملأ العالم الشخصي للإيرانيين في قُم. لدينا هنا أعلى معدلات استهلاك للكحول في إيران.”

هذه هي إيران إذن، حيث يختلط النساء بالرجال بحرية في المقاهي، والتي اعتادت في السابق أن تغلق أبوابها مبكرًا، ولكنها تظل اليوم حتى المساء. غطاء الوجه الذي كان شائعًا يومًا ما بين النساء، منعته الدولة بعد أن استخدمه رجال لدخول مدرسة حكومية والاعتداء على الطالبات فيها.

الحالة الإيرانية ليست استثناءً، إذ يبدو أنها تقترب من النمط الأوربي. يقول دبلوماسي أوربي: “البلد هنا إسلامي بنفس المعنى الذي نعنيه حين نقول أن إيطاليا بلد كاثوليكي. الكل هنا بشكل رسمي مؤمن، ولكن في بيوتنا الجميع يغش. يغش في دفع الضرائب، وحتى يغش زوجته”.

(4) الهلال الشيعي والكمّاشة السلفية

لطالما راودت إيران طموحات كبرى فيما يخص دورها الإقليمي، لا سيما قيادة العالم الإسلامي، بما فيه العالم العربي والخليج الذي انطلق منه الإسلام إليها في الأصل، رُغم كونها معزولة ثقافيًا نسبيًا نظرًا لمذهبها ولغتها، وانفصالها السياسي لعقود عن العرب على عكس الأتراك الذين حكموا المنطقة حتى أوائل القرن العشرين.

 شرعت إيران بُعَيد نهاية الحرب مع العراق، في تطوير علاقاتها العربية، لا سيما نظام الأسد، والذي أصبحت راعيه الأول بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، كما طورت علاقاتها قدر الإمكان لفك عزلتها الدولية مع دول أفريقيا وأمريكا اللاتينية، مثل السودان وفنزويلا وغيرهما. كذلك، وطدت إيران علاقاتها بلاعبين آخرين غير الدول القومية، مثل حزب الله، والذي يُعَد الآن لاعبًا أساسيًا في لبنان، وحماس في فلسطين، والميليشيات الشيعية في العراق التي انتشرت إبان سقوط نظام صدام.

بعد حادثة الحادي عشر من سبتمبر، قدمت الولايات المتحدة هديتين على طبق من ذهب للنظام الإيراني: إزاحة النظامين المعاديين لإيران في أفغانستان (2001) والعراق (2003)، وقد عملت إيران بلا تواني منذ ذلك الحين لتعزيز مكتسبات حلفائها في البلدين. يخشى جيران إيران السنة من الهلال الشيعي الذي تطمح له، والممتد من طهران عبر بغداد ودمشق وإلى بيروت، وقد دأب أعداؤها، وهم السعودية وإسرائيل بشكل رئيسي، على جذب أنظار العالم لبرنامجها النووي وضرورة وضع الخيار العسكري ضدها على الطاولة. بيد أن الولايات المتحدة التي خاضت حروبًا مكلّفة في أفغانستان والعراق لم يكن باستطاعتها تبني ذلك الخيار، لا سيما بالنظر للرأي العام الأمريكي الحالي، واهتمام أمريكا المنصب على شرق آسيا.

شاءت الأقدار إذن أن تدخل الولايات المتحدة بسهولة دولًا مجاورة لإيران كالعراق وأفغانستان في مطلع القرن الحالي، لتُفسِح لإيران مجالًا للتمدد، وألا يكون باستطاعتها اليوم دخول دول مثل سوريا بشكل مباشر كما أرادت في وقت ما لأسباب كثيرة. يقول الكثيرون أن ما جرى ببساطة وضع إيران في موقع قوة يحسدها عليه كثيرون. ولكن هل هذا حقيقي فعلًا؟

ربيع المفاجأت العربي

حين بدأ الربيع العربي في 2011، بدا الأمر فرصة للتمدد مجددًا من المنظور الإيراني، حيث كانت الثورات موجهة لبلدان حكمتها نظم علمانية، أو نظم ادّعت أنها علمانية، في مقابل صعود المجموعات المرتبطة بالإخوان المسلمين، والذين اعتبرتهم إيران حلفاء مستقبليين لها، لا سيما وقد أثاروا قلق الدول السنية الكبرى المعادية لإيران مثل السعودية.

غير أن الربيع أثبت مع الوقت أنه لم يكن مماثلًا لما جرى في إيران عام 1979، بل على العكس، كان أكثر شبهًا بالاحتجاجات التي جرت في إيران عام 2009. أضف إلى ذلك أن الربيع لم يكن موجهًا ضد علمانية النظم التي قامت ضده بقدر ما قام ضد المظالم الواقعة على الشباب، وهم شباب لم يكن الكثير منهم مهتم بالرؤى الإسلامية ولا بمعاداة الغرب، وحتى الكثير من الحركات الإسلامية لم تتبنى الرؤية الإيرانية بقدر ما جذبها النموذج التركي.

كان الربيع العربي يخبّئ لإيران الصدمة الأكبر، والتي وقعت باهتزاز أركان نظام بشار الأسد في سوريا. ورُغم أنه لم يسقط حتى الآن، إلا أن إيران تحارب من أجله حربًا مريرة، لا تستنزف قوتها فقط، خصوصًا بعد صعود داعش، بل وتدمر شعبيتها وشعبية حلفاء لها كحزب الله بين العرب السنة، وهي شعبية بُنيَت على مدى سنوات طويلة، كما تثير المعارضة في الداخل، والذي يعارض الإنفاق المستمر للموارد التي يرى الإيرانيون أنهم أولى بها. فقدت إيران أيضًا علاقتها القوية بحماس، والتي ابتعدت عن نظام الأسد وغلبت كفة الانتماء العربي السني على حساب المصلحة الآنية الضيقة.

لم يكن هذا فقط ما خبأه المستقبل لإيران، إذ امتدت مؤخرًا نيران الحرب السورية إلى العراق لتهز الحليف الثاني المتمركز في بغداد حيث يقبع نظام شيعي آخر، مستحوذة على مساحات شاسعة من غرب البلاد. تلك المرة لم يكن الربيع هو السبب، بل أسوأ، واحدة من أكثر التنظيمات الإسلامية السنية تطرفًا وكرهًا للشيعة — داعش.

لم يعد هناك هلال شيعي يتمدد إذن بهدوء، كما كان على مدار العقد المنصرم، متشحًا بالراية الإسلامية الجامعة ومعاداة إسرائيل والولايات المتحدة. فقد أسفر الربيع العربي وما تلاه عن كمّاشة سلفية تحيط بإيران تدريجيًا، خصوصًا وطالبان تنتفض مجددًا في أفغانستان، لم تعد معها إيران تستطيع إخفاء وجهها الحقيقي. هذه الحرب العلنية بين السنة والشيعة في المنطقة تهدد إيران، الشيعية المعزولة، أكثر من أي دولة أخرى.

ها هي إيران إذن تعود للعزلة النسبية مجددًا. فحتى الصين، وهي المشتري الأكبر لنفط إيران، صوتت لصالح العقوبات على إيران، فالعملاق الصيني الاقتصادي البراجماتي أصبح حساسًا مؤخرًا للتمرد المسلح، أيًا كان مصدره. السودان كذلك طردت في أغسطس الماضي دبلوماسيًا إيرانيًا وأغلقت مركزها الثقافي، كما تم حبس عميل إيراني في نيجيريا التي تشهد هي الآخرى انتفاضة سنية تقودها بوكو حرام.

فليرقد الخميني في سلام

انتهت صلاحية حلم قيادة العالم الإسلامي ضد الغرب الذي وضعه الخميني. فمصالح الغرب لم تعد متنافرة مع مصالح إيران كما في السابق، بالنظر لمواقفهما من داعش وطالبان، وهي تتفاوض معه علنًا الآن بشأن برنامجها النووي وتتبنى خطاب محاربة الإرهاب الرائج بين ساسته، عوضًا عن خطاب الموت لأمريكا الذي ظل حتى رحيل الرئيس السابق أحمدي نجاد. “في السابق، كانت إيران تستخدم خطابها الأيديولوجي لترسيخ قوتها. اليوم هي تستخدم قوتها لترسيخ أيديولوجيتها”، هكذا يقول أحد المحللين.

على إيران الآن أن تتعاون مع القوى المختلفة في المنطقة والعالم، والتي تشاركها هدف الحفاظ على المنظومة كما هي، وإن ظل خطابها ثوريًا، وذلك لأن المكتسبات التي بنتها بهذا الخطاب الثوري في الثمانينيات والتسعينيات، أصبحت اليوم للمفارقة جزءًا من الأمر الواقع الذي هب الربيع العربي بوجهه.

بالفعل، اتخذت حكومة الرئيس روحاني خطوات لتطبيع العلاقات مع الدول المجاورة، مدفوعة بالأساس بالقلق من داعش التي قلبت حسابات الجميع. فقد عقدت الجمهورية الإسلامية محادثات، ليس مع الغرب فقط، ولكن مع دول الخليج، بما فيها السعودية، والتنسيق العسكري يمكن أن يكون نتيجة محتملة لهذه العلاقات في مواجهة عدو مشترك. رُغم أن التنسيق غير مرجح مع الخليج حتى اللحظة، إلا أنه جارٍ بالفعل مع الولايات المتحدة لحماية الأهداف المشتركة في العراق، حيث أفسحت الطائرات الأمريكية المجال للميليشيات الشيعية على الأرض لمساعدة بغداد. بالطبع، قدمّت إيران بعض التنازلات أيضًا، أبرزها التخلي عن المالكي، رئيس الوزراء العراقي السابق.

لا تزال السياسة في الشرق الأوسط صراع محتدم على النفوذ بالأساس، ولكن القوى الكبرى، التي مرت بتلك المرحلة في وقت سابق، تعرف أن الحميع سيجلس في مرحلة ما ويتفاوض لأجل سلام طويل الأجل، تعتمد بالطبع قابلية حدوث انفراجة في المنطقة على المحادثات بشأن البرنامج النووي، ولكن التوصل لاتفاق مع الغرب لن يحل وحده أزمات الشرق الأوسط، فالاتفاق قد يزيل الخيار العسكري ضد إيران من على طاولة الغرب، ولكن الشك سيظل متبادلًا لوقت طويل بين إيران والسعودية.

إذا تم التوصل بالفعل لاتفاق، ستتمكن إيران من تعزيز مكانتها الإقليمية، وقد يؤدي هذا إلى تخفيض تعداد القوات الأمريكية في الخليج، والتي ازدادت على مدار العقود الماضية لاحتواء الخطر الإيراني ليس إلا (لم يكن للولايات المتحدة وجود تقريبًا على شواطئ الخليج الفارسي قبل عام 1986، في حين تضع اليوم 35 ألفًا من قواتها في قواعد بالخليج). بتحولّ أنظار واشنطن نحو شرق آسيا، وخفض الميزانية العسكرية الخاصة بها، وثورة غاز شيل الذي سيجعل الولايات المتحدة أقل اعتمادًا على الطاقة الآتية من المنطقة، سيكون من الممكن تخيّل حدوث ذلك إبان التوصل لتسوية في الشرق الأوسط.

ظهرت مؤخرًا بوادر ابتعاد الإدارة الأمريكية بالفعل عن حلفائها التقليديين بالمنطقة، وتحوّلها نحو موازنة القوى المختلفة بدلًا من ترجيح كفة معسكر على آخر، وإن ظل المحللون التقليديون على اعتقادهم بأن هذه ما هي إلا مناورات وتمويهات أمريكية من قبل واشنطن التي لم ولن تغيّر مواقفها. إذا استطاعت إيران أن ترى هذا، وتستغله لصالحها، فهي على موعد مع مكاسب كبيرة.

هذا التقرير نشرته مجلة إيكونوميست حول الوضع الإيراني بعنوان (نهاية الثورة!)

تم ترجمة التقرير بواسطة موقع نون بوست.